هكذا إذن فإن أمة الإيمان تتحسس ما ينزل بها من ضر وبلاء ، فتتألم له وتتوجع ، كما يتألم الجسد للضر ينزل ببعض أجزائه .
ثم إنه لما كان تمثيل المؤمنين بالجسد يمثل أروع تصوير ، وأصدق تمثيل ، فإنه يقودنا إلى أن نبحث عن خصائص هذا الجسد ومقوماته ، حتى إذا علمنا أنه ليس جسداً خاملاً ولا بالياً ، لأنه يحس ويتألم ، أدركنا أن للحديث إيحاءات تدفعنا إلى أن نمثل إيمان الأمة بالروح في هذا الجسد ، ونمثل معاني أُخُوَّتِها النابعة من توادِّها وتراحمها وتعاطفها بنبضات القلب في هذا الجسد ، كما نمثل قيادتها الحكيمة الرشيدة التي تقودها إلى كل خير ، وتبعدها عن كل شر ، بالعقل في هذا الجسد الذي ينظم شؤونه ، ويسعى في مصالحه .
وعليه فإن الجسد حين تفارقه روحه يتحول إلى جثة هامدة ، وتتوقف دقات قلبه تبعاً لذلك ، وتفارقه الحياة .
وهذه حال الأمة المؤمنة إذا ضعف إيمانها أو غاب ، فإن معاني أُخُوَّتها تتأثر بما يحدث لإيمانها ، فتقوى بقوته ، وتضعف بضعفه ، وتموت لفقده ، وإذا اعتلَّت فيها معاني أُخوَّتِها ، أو غربت دلَّ ذلك على نقص إيمانها أو غيابه ، فحيثما وجد الإيمان كانت الأخوة ، كما قال سبحانه : ﴿ إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ (1) .
جاء في تفسير الكشاف : ( والمعنى : ليس المؤمنون إلا إخوة ، وأنهم خلص لذلك متمحضون )(2) .
وحيثما اعتلت الأخوة أو فقدت ثُلم الإيمان ونُكب . وقد جاءت الأحاديث توضح هذا المعنى . منها :
(1) من سورة الحجرات : ( الآية / 10 )
(2) الزمخشري : ( ج2 / 12 )