فالله سُبْحَانَهُ إِذَا أراد توفيقَ عبدٍ وهدايته، أعانه ووفَّقه لطاعته، فكان ذَلِكَ فضلاً منه، وإذا أراد خِذلانَ عَبدٍ، وكلَهُ إِلَى نفسه، وخلَّى بينَه وبينَهَا، فأغواهُ الشّيطانُ لغفلته عن ذكرِ اللهِ، واتَّبع هواه، وكان أمره فُرُطاً، وكان ذَلِكَ عدلاً منه، فإنَّ الحجَّةَ قائمةٌ عَلَى العبدِ بإنزالِ الكتاب، وإرسال الرَّسُول، فَمَا بقي لأحدٍ مِنَ النَّاس عَلَى الله حجةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ."
عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلاَتِي! قَالَ: ( قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي إِنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ).
فاستفتح الخبر عَنْ نفسه بأداة التوكيد الَّتِي تقتضي تقرير مَا بعدها.
ثُمَّ ثنّى بالإخبار عَنْ ظلمه لنفسه.
ثُمَّ وصف ذَلِكَ الظلم بكونه ظلماً كثيراً.
ثمّ قَالَ: ( فاغفر لي مغفرة مِن عندك ) أي لاَ ينالها عملي وَلاَ سعيي بل عملي يقصر عنها، وإنّما هِيَ مِن فضلك وإحسانك، لاَ بكسبي وَلاَ باستغفاري وتوبتي.
ثمّ قَالَ: ( وارحمني ) أي لَيْسَ معولي إِلاَّ عَلَى مجرّد رحمتك، فإن رحمتني وإِلاّ فالهلاك لازم لي.
فليتدبّر اللبيب هَذَا الدعاء وما فيه مِن المعارف والعبوديّة، وفي ضمنه: إنّه لَوْ عذّبتني لعدلت فيَّ ولم تظلمني، وإِني لاَ أنجو إِلاَّ برحمتك ومغفرتك.
ومن هَذَا قوله صلى الله عليه وسلم: ( لَنْ ينجي أَحداً منكم عمله ) قالوا: وَلاَ أنت يَا رَسُول الله؟ قَالَ: ( وَلاَ أَنا إِلاَّ أَن يتغمدني اللهُ برحمة مِنْهُ وفضل ).