تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَمَا قولُك فِي عقلٍ مريضٍ أشار عَلَيهِ الطبيبُ بترك الماء ثلاثةَ أيام ليصحَّ ويتهيأ لشربه طولَ العمر؟! فَمَا مقتضى العقلِ فِي قضاء حقِّ الشهوة؟ أيصبر ثلاثة أيّام ليتنعّم طولَ العمر؟ أم يقضي شهوتَه فِي الحال ثُمَّ يلزمه الأَلَمُ أبداً؟ فجميع عمرك بالإضافة إِلَى الأبد الَّذِي هُوَ مدةُ نعيمِ أهل الجنّة وعذاب أهل النّار أقلّ من ثلاثة أيّام بالإضافة إِلَى جميع العمر، بل أقلّ من لحظة بالإضافة إِلَى عمر الدُّنْيَا، وليتَ شِعْري! أَلمُ الصبر عَنْ الشهوات أشدُّ وأطولُ، أم النّارُ فِي الدَّرَكات؟ فمن لاَ يطيقُ الصبر عَلَى أَلم المجاهدة كَيْفَ يطيقُ ألم العذاب فِي الآخرة؟ أشغَلَكِ حبُّ الجاه؟ أَمَا بَعْدَ ستين سنة أَوْ نحوها، لاَ تبقينّ أنتِ وَلاَ من كَانَ لكِ عنده جاهٌ. هلا تركتِ الدُّنْيَا لخِسّةِ شركائها، وكثرة عنائها وخوفاً من سرعة فنائها؟ أتستبدلينَ بجوار رب العالمين صفَّ النِّعالِ فِي صحبة الحمقى؟ قَدْ ضاع أكثرُ البضاعة، وَقَدْ بَقِيَتْ من العمر صُبَابة، وَلَوْ استدركتِ ندمتِ عَلَى مَا ضاع، فكيف إِذَا أضفتِ الأخيرَ إِلَى الأول؟ اعملي فِي أيامٍ قصار لأيام طوال، وأعدّي الجوابَ للسؤال، اخرجي من الدُّنْيَا خروجَ الأحرار قبلَ أَنْ يكون خروجَ اضطرار، إنّه مَنْ كَانَتْ مطيتُه اللّيلَ والنّهارَ سِيرَ بِهِ وإن لَمْ يَسِرْ، تفكّري فِي هَذِهِ الموعظة، فإنَّ عدمتِ تأثيرَها، فابكي عَلَى مَا أصبتِ بِهِ.

اعلم رحمك الله بأنَّ العبد قَدْ بلي بالغفلة والشّهوة والغضب، ودخول الشيطان عَلَى العبد من هَذِهِ الأبواب الثلاثة، وَلَوْ احترز العبد مَا احترز، فَلاَ بدَّ لَهُ من غفلة، وَلاَ بدَّ لَهُ من شهوة، وَلاَ بدَّ لَهُ من غضب.

ذم النفس والهوى · الصفحة ٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ذم النفس والهوىص ٥١