تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ينبغي أَنْ يَشْهَدَ العبد الضَّعْفَ، وأَنَّهُ أعجزُ شيءٍ عن حِفْظِ نفسِهِ وأضْعَفهُ، وأنه لاَ قُوَّةَ لَهُ وَلاَ حَوْلَ إِلاَّ بِرَبِّهِ، فَيَشْهَدُ قلبَه كريشةٍ مُلْقاةٍ بأرضِ فلاة تُقلِّبها الرياحُ يَميناً وشِمالاً، ويَشْهَدُ نَفْسَهُ كراكبِ سفينةٍ فِي البحرِ تَهيجُ بِهَا الرياحُ وتتلاعبُ بِهَا الأمواجُ، ترفعُها تارةً، وتخفِضُها تارةً أُخرى، وَلاَ سيَّما إِذَا انكسرتْ به، وبقي عَلَى لَوْحٍ تلعبُ بِهِ الرياحُ، تجري عَلَيهِ أحكامُ القَدَرِ، وَهُوَ كالآلَةِ طريحاً بين يَدَي وَلِيِّهِ، ملقىً ببابِهِ، واضعاً خَدَّهُ عَلَى ثَرَى أعتابِهِ، لاَ يملِكُ لنَفْسِهِ ضُراً وَلاَ نَفْعاً، وَلاَ موتاً، وَلاَ حياةً، وَلاَ نشوراً. لَيْسَ لَهُ مِن نفسِهِ إِلاَّ الجَهْلُ والظُّلمُ وآثارُهُمَا وَمُقْتَضَيَاتُهُما، فالهَلاكُ أَدنَى إِلَيْهِ مِنْ شِراكِ نَعْلِهِ كَشَاةٍ مُلْقَاةٍ بين الذِّئَابِ والسِّبَاع. لاَ يَردُّها عَنْهَا إِلاَّ الرَّاعِي، فَلَوْ تخلَّى عنها طَرْفةَ عَينٍ لَتَقَاسَمُوهَا أَعْضَاءً.

وَهَكَذَا حَالُ العَبْدِ مُلْقَىً بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ أَعْدائِهِ، مِنْ شَياطِين الإِنسِ والجنِّ فإنْ حَمَاهُ مِنْهمْ وَكَفَّهم عَنهُ لَمْ يَجِدوا إِلَيْهِ سَبيلاً، وإِنْ تَخلَّى عَنْهُ وَوَكَلَهُ إِلَى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عينٍ لَمْ يَنْقَسمْ عَلَيْهِم، بَل هُوَ نَصيبُ مَن ظَفرَ بِهِ منهم.

ذم النفس والهوى · الصفحة ٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ذم النفس والهوىص ٢٩