تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أستحثّه فيقابلني بهذا الفم الباسم أبدًا وهذا اللسان الدافئ دائمًا، ويبتدع لي كل يوم عذرًا جديدًا. وكان آخر أعذاره اشتغاله بموت أبيه الذي علمت -فيما بعد- أنه مرّ على وفاته رحمه الله على هذه الخلفة الطاهرة تسع سنين!

وأعاد لي الحلة بعد ستة عشر يومًا، فإذا هو قد غسلها فأفسد حشوتها ومزّق أزياقها، وجعل لها رائحة مثل رائحة الخنازير البرّية، ذلك لأنه غسلها بصابون رديء استرخصه وحكّ أطرافها بالحجر الذي تُنظَّف به الأقدام في الحمام!

وهذه واقعة لا أريد أن أعلّق عليها.

* * *

وليس في بلاد الناس شيء أسهل من الشراء. يدخل الرجلُ المخزنَ فيرى البضائع المعروضة وعليها أثمانها، فيختار ما يشاء ويدفع الثمن ويمضي، ولو جاء من بعده أمهر الناس ما استطاع أن يأخذ بثمن أقلّ ولو جاء أغفل الناس ما أُعطيَ بثمن أكثر.

أما الشراء في بلادنا فهو معركة تحتاج إلى أسلحة شتّى، من الكذب أحيانًا، واليمين الكاذبة، والكرّ والفرّ، والذهاب والرجوع، ومعرفة أجناس البضائع، وتحتاج فوق ذلك إلى مفاوضات دبلوماسية أصعب من المفاوضات على نزع السلاح بين أميركا والسوفييت.

لذلك عوّدت نفسي من الصغر ألاّ أقف على بائع ولا أشتري بنفسي شيئًا، لا اللحم ولا الخضرة ولا الثياب ولا الأثاث، وإنما

ذكريات - علي الطنطاوي · الجزء ٧ · الصفحة ١٨١

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات - علي الطنطاويج ٧ · ص ١٨١