تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على كتب المتأخِّرين المبهمة والمختصرة، واستُبدلت بكتب عصرية سهلة العبارة، ليّنة المأخذ، حسنة الطباعة والتنسيق، لكنّها مع ذلك، في أكثرها، كثيرة المرق قليلة اللحم، تخلو من الابتكار في المضمون إلا ما ندر. ولأنَّ هؤلاء المصلحين بَالغ أكثرُهم في نبذ التقليد وتمجيد الاجتهاد بعد أن أُغلق بابُه ردحاً من الزمن، كثر «المتمجهدون» في زمننا هذا، وتوسَّد العلمَ غيرُ أهله، وصار حتى العَلمانيون، ومن يُسمّون بالمثقّفين والمفكّرين، يقترحون في الدّين ويُفتون وينظِّرون، وهم خِلْوٌ من أدنى مؤهِّلات التخصُّص وعلوم آلات الاجتهاد، فضلاً عن الجهل بمعظم نصوص الكتاب والسنّة، فكان أن تخلَّصنا من سطوة التقليد لنقع بعد ذلك في مستنقع «التَّمجهُد»، وصار حالنا كما قال الشاعر:

رُبَّ يومٍ بكيتُ منه، فلمَّا ... صِرتُ في غيره، بكيتُ عليهِ

أو كما قال الآخر:

عَتِبتُ على عمروٍ فلمّا تركتُه ... وجرّبتُ أقواماً بكيتُ على عمروِ

ومِمّا زاد الطِّين بِلَّة في فساد التّعليم في هذه الأعصار أنّ علوم «التربية والتعليم» هي من أوهن العلوم في بلاد المسلمين خصوصاً، وفي دول ما يُسمَّى بالعالم الثالث عموماً، وذلك بسبب اتِّضاع مكانة المعلِّم وصناعة التعليم مادّيّاً ومعنوياً في هذه المجتمعات، فصار لا يَتخصَّص في هذه العلوم النافعة إلا أقلُّ النَّاس كفاءة واستعداداً وذكاءً، فبدل أن يُبدعوا ويبتكروا، أو على الأقل، يُغربلوا النّظريات الغربيّة في علوم التربية والتعليم، وينظروا في مدى تواؤمِها عند التطبيق مع ثقافة المسلمين ودينهم وأعرافهم وأولويّاتهم الاجتماعية والاقتصادية، فيأخذوا النَّافع والمناسب منها بعد تجريبه واختباره، وتكييفه وتحسينه بالقدْر الممكن: بدل أن يقوموا بذلك صاروا مجرَّد أبواق لمفكّري التربية الغربيين، وتُرجماناً حرفياً لنواتج أفكارهم بعُجَرها وبُجَرها، دون فهمٍ عميق لهذه الأفكار، ولا مراعاةٍ لخلفياتها الاجتماعية والعَقَدية والفلسفية، وصارت ساحة التعليم في بلاد المسلمين ميداناً لتجريب كلِّ جديد مبتدَع يقتنع به وزيرٌ من وزراء التعليم الذي يكون، في أحسن أحواله، ذكياً لكنّه غير مختصّ، أو مختصَّاً لكنّه من هؤلاء «أنصاف التربويين».

ومن المثال على ذلك «التعليم المختلط بين الجنسين» الذي روَّج له حيناً من الدّهر كثيرٌ من التربويين والمثقفين، مُعَدِّدين مزاياه وفضله على التعليم غير المختلط، تقليداً للغربيين، ثم بعد أن بدأت في الظهور الدراسات الغربية التي تشير إلى تفضيل التعليم غير المختلط على المختلط، رأيت هؤلاء القوم واجمين ساكتين.

وإذا كان تطبيق الأفكار الغربيّة والأنظمة المستوردة على التعليم الدّنيوي لدينا، دون وعيٍ دقيق، ودراسة متأنّية، وحذرٍ شديد، ينطوي على مقامرة كبيرة، وخطرٍ داهم، وفشلٍ ذريع، فإنّ هذا التطبيق لهذه الأفكار وتلك الأنظمة، على التعليم الدّيني خصوصاً أدعى للمقامرة، والخطر، والبوء بما لا تُحمد عقباه. وذلك لفرقين جوهريين بين العلم الدّيني من جهة، والعلوم الدّنيوية من جهة أخرى، من حيث الغايةُ والطبيعة.

أمّا من حيث الغاية، فالعلم الدّنيوي في الفلسفة الغربية المادّيّة يحرِّكه أحد حافزين أو كلاهما:

الأول: الحافز النّفسي، أي العِلم لأجل العلم ذاته، بغضّ النّظر عن ثمرته.

والثاني: العلم لأجل النّفع المادّي، والمصلحة الدُّنيوية.

أمّا العلوم الدِّينية فلا يصحُّ أن يُراد بها لا هذا ولا ذاك، وقد دلَّت النُّصوص الكثيرة من الكتاب

ضعف خريجي كليات الدراسات الشرعية · الصفحة ٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضعف خريجي كليات الدراسات الشرعيةص ٦