تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العِلمي والعَملي في معظم خريجي معاهد الدراسات الشّرعية لا سيّما الرسمي منها، لا تخفى حتى على أعشى النظر. فلا هم - إلا ما نَدر - أتقياءُ بررة، ولا هم علماء مهرة، حتى من أنهى منهم دراسته العليا من ماجستير ودكتوراه. ومن شذَّ منهم فكان بعد تخرُّجه متأهّلاً عِلمياً وعَمَلياً فإنّه لا يعزو كبير الفضل في ذلك، بعد الله تعالى، إلى جامعته وكُلّيته، بل إلى جهودٍ خاصّة قام بها خارج إطار الدّراسة النّظامية.

وهذا الضّعف في الخرّيجين من الوضوح بمكان حتى إنّه لا ينكره أكثرُ القائمين على كلّيات التعليم الشرعي أنفسهم. والعاقل منهم من سلَّم بالواقع فصار يتواضع في أهداف مؤسّسته، ورسالتها، فيصرِّح بالقول: إنّا لا نخرّج علماء، بل موظّفين لسدّ حاجات المجتمع من أئمةٍ وخطباء ومدرّسين، ويتواضع آخرون بطريقة أخرى، فيقولون: نحن إنّما نعطي مفاتيح العلم، والباقي هو ما لا بدّ للطالب أن ينهض به على عاتقه. ولم يَصْدُقوا في قولهم: «مفاتيح العلم» لأنَّ مناهجهم، في أكثرها، لا تنشئ مَلَكاتٍ ولا تربِّي مهارات، بل تُحمِّل الطلاب نُتَفاً من المحفوظات. وأمّلوا باطلاً، ورَجوا سراباً، إذ توقَّعوا من الطالب أن ينهض بالعلم على عاتقه، لضعف آلته أولاً، ولأنّهم لم يغرسوا فيه، بالقول والعمل، الحرصَ على طلبه، والرغبة فيه، وإيثاره على ما سواه، ثانياً، ولأنّهم - ثالثاً - لم ينزعوا منه، قصدَ التوسُّل به إلى الشهادة والوظيفة، ومن طلب العلم لهذا الغرض قلَّ أن يفلح إلا أن يتداركه الله برحمة منه فيعقل غاية العلم الدّيني وثماره المقصودة وطرق تحصيله.

قال الدكتور محمد مندور (1363 هـ/1944 م)، رحمه الله، في مقال له بعنوان أُمّيّة المتعلّمين: «لأميّة المتعلِّمين ثلاثة مظاهر: الانتهاء من التعليم الدراسي بفائدة ضئيلة، وعدم تنمية كلِّ صاحب فنٍّ لمعلوماته الفنّية بعد التخرُّج، وأخيراً ضعف الثقافة العامّة عند مُعظم المتعلِّمين، بل وإهمالها أحياناً إهمالاً تامّاً» (1). قلتُ: وهذا كلُّه موجود في خرِّيجينا، ولله الحمد، إلا ما رحم ربي. وقد طوّفتُ في التدريس في عدّة أقطار من أقطار المسلمين من أقصى المشرق إلى المغرب، فكان هذا حال أكثر من رأيت حاشا أفذاذاً وأفراداً هنا وهناك لا يجاوزون أصابع اليد، اختارتهم يد العناية، وأسعفتهم القريحة، وصاحبهم التوفيق. وهم رغم ذلك، ورغم حرصهم، وإخلاص كثيرٍ منهم، حيارى في مناهج الطّلب، وكثرة الكتب، مشتتو العزم، كثيرو التنقُّل، قليلو النَّصير.

فإذا كان هذا حال الأفذاذ منهم، على ندورهم، فما بالك بمن هو دونهم، وهم السّواد الأعظم، مِمَّن جُرُّوا إلى علوم الدّين بالسَّلاسل، أو لم تسعفهم القريحة ولا جَودة الفهم والنَّشاط، لتحصيل ما يؤهِّلهم للالتحاق ببرامج العلوم الدنيوية، لكثرة المنافس عليها، والمقبل إليها، فقِنعوا بما لا قاصد له ولا راغب فيه من التخصُّصات الدينيّة، التي هي في ذيل البرامج في أكثر الجامعات النِّظامية، حتى إنَّه لا يلتحق بها في الأعمّ الأعظم إلا «النَّطيحة» و «المتردية» و «ما أكل السَّبُع»، ممَّن لم يجدوا باباً مفتوحاً لقبولهم إلا بابها.

ولو عُدْنا بالزمن إلى الوراء قليلاً لوجدنا أنّ الفقه، والعلوم الدينية كَمَلاً، مرّت في العصور المتأخّرة بتراجع وانحطاط شديدين، أطبق على ذلك الكاتبون في تاريخ الفقه والعلوم الشرعية، فقد انحسر الإبداع، وانعدم الاجتهاد، وضاق الفهم، وساد التعصُّب، وعمّ الجمود، واستوى التقليد الأعمى على عرش العقول، فضَعُف التَّحصيل، وقلَّ في المترسِّمين بالعلم التأصيل، وكثُر عندهم النَّقلُ والقال والقيل. وهذا ما صوّر جانباً منه الشيخُ العطّار (ت: 1250 هـ)، رحمه الله، حين قال مُتأسِّفاً:

(1) () مندور: محمد، أمّيّة المتعلمين، مجلة الرسالة، العدد 588، بتاريخ: 9/ 10/1944 م.

ضعف خريجي كليات الدراسات الشرعية · الصفحة ٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضعف خريجي كليات الدراسات الشرعيةص ٤