تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والساعات المعتمدة، هو حرق هذه المراحل، وجعلها مرحلة واحدة مسطَّحة أفقية، هي في الغالب المرحلة المتوسِّطة منها، مع تقطيع العلم الواحد أشلاءً، وتوزيع أشلائه تلك على أربع سنوات. ومن ثَمّ يتخرّج الطالب، وهو لم يُحط بكليّات أيّ علم من العلوم، لأنّه غرِق في تفاصيله منذ البداية قبل أن يستولي على مبانيه وعُمَد مسائله، ثم إنّه تعرّض لمسائله مرّة واحد فقط ولم تُكرّر عليه، ولو على نحو سريع، في أوقات متباعدة، فيكون ما حصَّله إنّما هو نُتَفٌ متفرّقة من أطراف العلم، فما أسرع ما يكون نسيانُها، وتفلُّتُها من ذاكرته، لعدم ترابطها في ذهنه في هيكل عامّ وصورة كلّية، ولأنّ مسائلها لم تكرّر عليه، مرّة بعد مرّة.

قال أبو عمر بن عبد البر (ت: 463 هـ‍.)، رحمه الله: «طلب العلم درجات ومناقل ورُتب لا ينبغي تعدّيها، ومن تعدّاها جملة فقد تعدّى سبيل السلف، رحمهم الله، ومن تعدّى سبيلهم عامداً ضلّ، ومن تعدّاه مجتهداً زلّ» (1).

وقال الغزالي (ت: 505 هـ) رحمه الله: «كلُّ علم لا يستولي الطالب في ابتداء نظره على مجامعه ولا مبانيه فلا مطمع له في الظَّفر بأسراره ومباغيه» (2).

وقال ابن خلدون (ت: 808 هـ)، رحمه الله، في فصلٍ عَنْون له بـ «وجه الصّواب في تعليم العلوم وطريق إفادته»:

«اعلم أنّ تلقين العلوم للمتعلّمين إنّما يكون مفيداً إذا كان على التّدريج شيئاً فشيئاً، وقليلاً قليلاً، يُلقي عليه أوّلا مسائل من كلّ باب من الفنّ هي أصول ذلك الباب. ويقرّب له في شرحها على سبيل الإجمال، ويُراعي في ذلك قوّة عقله واستعداده لقبول ما يَرِدُ عليه حتّى ينتهي إلى آخر الفنّ، وعند ذلك يحصل له ملكةٌ في ذلك العلم إلّا أنّها جزئيّة وضعيفة. وغايتها أنّها هيّأته لفهم الفنّ وتحصيل مسائله. ثمّ يرجع به إلى الفنّ ثانية فيرفعه في التّلقين عن تلك الرّتبة إلى أعلى منها، ويستوفي الشّرح والبيان، ويخرج عن الإجمال، ويذكر له ما هنالك من الخلاف ووجهه، إلى أن ينتهي إلى آخر الفنّ فتجود ملكتُه. ثمّ يرجع به وقد شدّ فلا يترك عويصاً ولا مهمّاً ولا مغلقاً إلّا وضّحه وفتح له مُقفله، فيخلص من الفنّ وقد استولى على ملكته. هذا وجه التّعليم المفيد وهو كما رأيت إنّما يحصل في ثلاثة تَكرارات» (3).

وقال بدر الدين الحلبي (1324 هـ/1906 م)، رحمه الله:

«من لم يُراجع العلم ثلاث مرات قلَّ أن يحصل عنده من الملكة والاستعداد ما يهيِّئُه للتعليم والإفادة. وفي قيامه ذلك المقام، قبل تحصيل ذلك الاستعداد، الطامّةُ الكبرى» (4). وقال: «المتعلِّم، أوَّلَ تعلُّمه، يكون عاجزاً عن تعلّم أصغر الجمل وأظهرها إلا على سبيل الإجمال والتقريب بالعبارات الصّريحة،

(1) () ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، (2/ 1129).

(2) () الغزالي، المستصفى، ص 4.

(3) () ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، (1/ 734).

(4) () الحلبي، التعليم والإرشاد، ص 232.

ضعف خريجي كليات الدراسات الشرعية · الصفحة ٣١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضعف خريجي كليات الدراسات الشرعيةص ٣١