تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(ت: 204 هـ)، رحمه الله، موجِّهاً طلاب العلم:

«فكلُّ ما أَنزل في كتابه - جلَّ ثناؤه - رحمةٌ وحجّة، عَلِمه من عَلِمه، وجَهِله من جَهِله، لا يَعلم من جَهِله، ولا يَجهل من عَلِمه. والنّاس في العلم طبقات، موقعهم من العلم بقدْر درجاتهم في العلم به. فحقٌّ على طلبة العلم بلوغُ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه، والصَّبر على كلّ عارضٍ دون طلبه، وإخلاص النِّية لله في استدراك علمه نصّاً واستنباطاً، والرّغبة إلى الله في العون عليه، فإنّه لا يُدرك خيرٌ إلا بعونه. فإنّ من أدركَ عِلْمَ أحكام الله في كتابه نصَّاً واستِدلالاً، ووفّقه الله للقول والعمل بما علم منه: فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، وانتفت عنه الرِّيب، ونوَّرت في قلبه الحكمة، واستوجب في الدّين موضع الإمامة» (1).

وقال ابن حجر العسقلاني (ت: 852 هـ)، رحمه الله: «إنّ أولى ما صُرفت فيه نفائس الأيام، وأعلى ما خُصَّ بمزيد الاهتمام الاشتغالُ بالعلوم الشرعية المتلقّاة عن خير البريّة، ولا يرتاب عاقلٌ في أنَّ مدارها على كتاب الله المقتَفى، وسنَّة نبيِّه المصطفى، وأنَّ باقي العلوم: إمَّا آلاتٌ لفهمهما، وهي الضّالّة المطلوبة، أو أجنبيةٌ عنهما، وهي الضّارَّة المغلوبة» (2).

والنّاظر في تاريخ التعليم في الأمّة الإسلامية منذ بعثة النبي، صلّى الله عليه وسلم، يجد أنّ تعليم القرآن الكريم، حفظاً وفهماً، كان له نصيبُ الأسد في ذلك، وكان هو المقدّمَ على كلِّ ما عداه من العلوم، بل كان النبي، صلى الله عليه وسلم، ينهى حتى عن كتابة حديثه لئلا يَشتغل به أصحابُه، رضوان الله عليهم، عن القرآن.

فعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: «كنّا قعوداً نكتب ما نسمع من النبي، صلى الله عليه وسلم، فخرج علينا، فقال: ما هذا تكتبون؟ فقلنا: ما نسمع منك، فقال: أكتابٌ مع كتاب الله؟! فقلنا: ما نسمع، فقال: أكتابٌ غير كتاب الله؟! أَمْحِضوا كتاب الله، وأخلصوه، قال: فجمعنا ما كتبنا في صعيدٍ واحد، ثمّ أحرقناه بالنّار ... » (3).

وكذلك نهى، صلى الله عليه وسلّم، عن الانشغال عن القرآن بالنَّظر في كتب أهل الكتاب. ورُوي عنه، صلى الله عليه وسلم، أنّه قال: «كفى بقومٍ ضلالاً، أن يرغبوا عمّا جاء به نبيُّهم، إلى ما جاء به نبيٌّ غير نبيِّهم، أو كتاب غير كتابهم ... » (4).

وقال، صلى الله عليه وسلم، في وصف الرعيل الأول من الصّحابة: «إنّ الأمانة نزلت في جذْر قلوب الرجال، ثمّ عَلِموا من القرآن، ثمّ علموا من السنّة» (5). قال ابن حجر: «"ثمّ علموا من القرآن ثم علموا من السنّة"، كذا في هذه الرواية بإعادة "ثمّ"، وفيه إشارةٌ إلى أنَّهم كانوا يتعلّمون القرآن قبل أن يتعلّموا

(1) () الشافعي، الرسالة، ص 19.

(2) () ابن حجر، فتح الباري، (1/ 3).

(3) () أحمد، المسند، (17/ 156). وقال الأرناؤوط: صحيح.

(4) () الدارمي، السنن، (1/ 425)، من مرسل يحيى بن جعدة بسند صحيح.

(5) () البخاري، الصحيح، (8/ 104).

ضعف خريجي كليات الدراسات الشرعية · الصفحة ٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضعف خريجي كليات الدراسات الشرعيةص ٢١