تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الهمّة، وهذه الهمّة تُولد مع الطِّفل، فتراه من زمن طفولته يطلب معالي الأمور» (1).

وقال ابن الأكفاني (ت: 749 هـ)، رحمه الله، في شروط طالب العلم: «أنْ يقصد العلم الذي تقبلُه نفسُه، وتميل إليه طِباعُه، ولا يتكلَّف غيرَه، فليس كلُّ النَّاس يصلُحون لتعلُّم العلم، ولا كلّ مَن يصلح لتعلُّم العلم يصلح لسائر العلوم، بل كلٌّ ميسَّرٌ لما خُلق له» (2).

وقال ابن بدران الدمشقي (ت: 1346 هـ)، رحمه الله: «اعلم أنّ كثيراً من النّاس يقضون السنين الطِّوال في تعلُّم العلم، بل في علمٍ واحد، ولا يحصُلون منه على طائلٍ، وربّما قضَوا أعمارهم فيه ولم يرتقوا عن درجة المبتدئين، وإنّما يكون ذلك لأحد أمرين: أحدهما: عدم الذكاء الفطري وانتفاء الإدراك التصوُّري. وهذا لا كلام لنا فيه ولا في علاجه. والثاني: الجهل بطُرُق التعليم، وهذا قد وقع فيه غالب المعلّمين» (3).

ويذهب محمد بن علي الشوكاني (ت: 1250 هـ)، رحمه الله، إلى أبعد من اشتراط الذكاء الفطري في المتعلّم فيشترط الأهليّة الاجتماعيّة وشرف المعدن النّسَبي. قال:

«فإن قلتَ: وما هذه الأهليّة التي يكون صاحبها محلاً لوضع العلم فيه وتعليمه إيّاه. قلتُ: هي شرف المَحتَد، وكَرم النِّجار، وظهور الحَسب، أو كون في سلف الطالب مَن له تعلّقٌ بالعلم والصلاح ومعالم الدين، أو بمعالي الأمور ورفيع الرُّتب. وقد أشار إلى هذا النبي، صلى الله عليه وسلم، في الحديث الثابت عنه في الصحيح فقال: "النّاس معادن كمعادن الذّهب والفضّة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" ... فإنّ هذا أمرٌ يجذب بطبع صاحبه إلى معالي الأمور، ويَحُول بينه وبين الرذائل، ويوجب عليه إذا دخل في أمر أن يكون منه في أعلى محلٍّ وأرفع رتبة، فمتعلِّم العلم منهم يكون في أهله على أتمّ وصفٍ، وأحسن حالٍ، غيرَ شامخ بأنفه، ولا متباهٍ بما حصّله، ولا مترفّع على النّاس بما نال منه. وأمّا من كان من سَقَط المتاع وسَفساف أهل المهن ... فإنّ نفسه لا تفارق الدناءة، ولا تجانب السُّقوط، ولا تأبى المهانة، ولا تنفر عن الضّيم ... » (4).

وقيام أهل العلم بتعليم غير المتأهِّلين، فطرياً أو اجتماعياً أو خُلُقياً، علومَ الدين - التي من شأن حاملها أن يتأهّل للإفتاء والقضاء والاجتهاد والتعليم والوعظ والإمامة والدعوة - ينطوي على مخاطرة، أشار الشوكاني، رحمه الله، في كلامه الآنف إلى جانب منها. وأهمُّ مِمَّا ذَكَر: ما يُحدِثُه ضعيفُ الأهلية، إذا تصدّر أو تقلّد المناصب الدينية، من تقويةٍ للشُّبهات، وإضلالٍ للخلق، وتنفيرٍ عن الدّين، نتيجةً لعدم تحقُّقه في العلم، كما جاء في حديثه، صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقِ عالماً اتّخذ الّناس رؤوساً جُهَّالاً، فسُئلوا فأفتوا بغير علمٍ، فضلُّوا وأضلُّوا». قال الراغب الأصبهاني (ت: 502 هـ)، رحمه الله: «من شرع في حقائق العلوم، ثمّ لم يبرع

(1) () ابن الجوزي، صيد الخاطر، ص 190.

(2) () ابن الأكفاني، إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد، ص 101.

(3) () ابن بدران، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد، ص 485.

(4) () الشوكاني، أدب الطلب ومنتهى الأدب، ص 164.

ضعف خريجي كليات الدراسات الشرعية · الصفحة ١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ضعف خريجي كليات الدراسات الشرعيةص ١٥