تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7

ثم طلبنا منه أن يوافينا بمعلوماته عن أشخاص من يعرفهم ممن ورد ذكرهم في رسالتنا، فجاء منه في 5 يناير سنة 1934 الخطاب الآتي، وهو ما بعد الديباجة:

إن قولكم «الأورطة السودانية» ولئن كانت نسبة شاملة لسكان هذا القطر، سواء في ذلك العربي والزنجي والخلاسي، لا يأباها أحد يؤمن بآيات التنزيل التي نسبت إلى المكان، كهذه مكية وتلك مدنية. ونسبة أولئك الأبطال إلى السودان أدعى إلى الوحدة وأقوى دعامة إلى القومية. ولكني رأيت أن أوضح لسموكم قبائلهم ما دام ذلك لا يخل بجوهر النسبة الأولى؛ لعلمي أن لكل منها عشيرة تتعصب له وتباهي بمواهبه. وهذه عادة متأصلة في عرب السودان الآن، وإليكم شاهدا من مفاخرهم: قال رجل من البطاحيين سكان أبي دليق شرق النيل تجاه شندي:

من منا وليمنا

كذبوا القالوا مثلنا

يكفي مراره فسلنا

ويصد القوم عاطلنا

أي من هنا إلى هناك كذبوا الذين يقولون إنهم مثلنا كرما وشجاعة. ويكفي مراره فسلنا، فالمرارة لحم نيئ كالكبد وغيرها يغسل جيدا ويضاف عليه ملح وشطة وبهورات أخرى، ثم يقدم للضيوف قبل الأطعمة. والفسل هو البخيل. ويصد القوم عاطلنا، فالقوم هم العصابة من الأعداء الذين يغيرون على غيرهم بقصد القتل والنهب. والعاطل معروف وهو فاتر الهمة بطيء الحركة. فالخلاصة يقول: بخيلنا كريم وعاطلنا كبير الهمة مقدام ... فإن تفضلتم وذكرتم جنسية كل بطل فقد أصبتم الوتر الحساس، وهززتم مشاعر القوم الذين ملئت مناطقهم بحبكم، وإنهم سيقدسون شهادة زكيتموها بطهارة ذيلكم وكرم شمائلكم ... (1)

القائمقام محمد بك سليمان «شايقي الأصل سرورابي»، كان قائدا لأورطة نظامية بالخرطوم. ولما نادى الفور بهارون الرشيد ابن الأمير سيف الدين ابن السلطان محمد الفضل سلطانا على دارفور، وثاروا على حسن حلمي باشا الشركسي الذي كان مديرا عاما لدارفور، وحصروه في مدينة الفاشر ومنعوا وصول النجدات إليه حتى تجهم الخطب وسقطت هيبة الحكومة، انتدب الجنرال غوردون بعض الأورط النظامية وأرادي الباشبزق الموجودة إذ ذاك بالخرطوم وكردفان، وعقد لواء القيادة العامة إلى التهامي

1

بك وكيل الحكمدارية بالخرطوم، ورافقه من الضباط العظام القائمقام محمد بك سليمان، وعلي بك شريف نائب مدير كردفان، ومن السناجق السر سواري مصطفى أغا التوتنجي، وخشم الموس بك (باشا)، وبشير أغا كمبال، وغيرهم.

فسارت تلك الحملة إلى الفاشرن، ولما بلغتها تلقت الأوامر بمواصلة الزحف على المقدوم سعد عرجون في مليط في الشمال الشرقي من الفاشر، تبعد عنها 63 ميلا، وحدثت هناك حروب هائلة كان الظفر فيها حليف الجنود المصرية. وكانت الواقعة الفاصلة في سانيه حيي في شمال مليط مما يلي الصحراء الكبرى، حيث قتل هناك سعد عرجون وانفرط نظام جموعه، ففر جزء منهم إلى وداين، وجنح الآخرون إلى السلام ... فانتدب القائمقام محمد بك سليمان بأورطته لإرجاع الفارين كبادية الزيادية التي كان زعيمها رجل يدعى علي كوع النمر صعب المراس جموحا، فنشر محمد بك سليمان أورطته في نقط عديدة فيما يلي حدود دارفور مع وداي، وصار يطلق النار على الفارين ما لم يذعنوا لطاعة الحكومة. وأذاع التهامي بك منشورا دعا فيه قبيلة الزيادية إلى الاستكانة، وحذرها شر الانقياد لعلي كوع النمر قائلا: إنه رجل بلغ من العمر مبلغا صيره لا يبالي بالحياة، فسيان في نظره الموت أو النجاة، أما أنتم فاحذروا عاقبة هذا العناد؛ ففي طاقة حكومة سمو الخديوي المعظم طلبكم من سلطان وداي، وإنه سوف يرغمكم إلى العودة إلينا، وإننا نعاقبكم شر العقاب لما عرفتم به من جفاء وإباء، وإن رضيتم بالطاعة فأنتم في حل من رضاء الحكومة.

ولما عادت قبيلة الزيادية حكم عليها بغرامة تؤديها من الإبل. وعندما استتب الأمن في شمال دارفور عاد محمد بك سليمان مع تلك القوات إلى الخرطوم، إلا أنه ما لبث بها طويلا حتى تأجج ضرام ثورة المهدية في آبا، وفتك دعاتها بحملة راشد بك أيمن مدير فشوده. وقد طلب محمد رءوف باشا لمصر وقبل أن يصل عبد القادر حلمي باشا، عين جيكلر باشا - نائب الحكمدارية - قوة عظيمة تتألف من الأورط النظامية، وأرادي الباشبزق، وكثير من المتطوعين، فسار محمد بك سليمان ضمن تلك الحملة التي سارت إلى جبل قدير.

بطولة الأورطة السودانية المصرية في حرب المكسيك · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بطولة الأورطة السودانية المصرية في حرب المكسيكص ٢٤