الهلاك بتركه ، وبعض الناس يؤثر البقاء على العزوبة مع توفر الشهوة . ومثله لو غض بلقمة فدفعها بشربة خمر التي هي نادرة الوقوع ولعلها لم يقع لها نظير في الدنيا .
وقد رأينا بعض العلماء من جعل هذه حجة في إباحة ربا النسيئة للمضطر الذي يكفر من قال بإباحته ، ولا شك أن هذا من باب الترخص الجافي والأحكام الشرعية يجب بأن لا تعارض بترخص جاف ولا تشدد غال ولا تحمل على علة توهن الانقياد للحكم .
والنبي e حرم الربا بموقف جميع الناس بعرفة عام حجة الوداع فقال: » إن ربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضع ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله « .
فحرم الربا تحريماً عاماً بدون إستثناء مع كونه عمدة تجارتهم ، فقد اشتهرت قريش بالتجارات الواسعة من أجل رحلاتهم الصيفية والشتوية ومن أجل توسعهم في المعاملات الربوية مع العلم أن جميع العرب سوادهم في حاجة وفقر شديد ، فكانوا يقتسمون الزاد بالتمرة الواحدة في غزوة العسرة القريبة من حجة الوداع ، ومع هذا فلم يبح رسو الله صلى الله عليه وسلم تعاطي الربا للمضطر لدخوله في عموم قوله ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ، لكون الشخص متى صحت نيته وصدقت عزيمته سهل عليه مفارقة المألوفات المحرمة كما قيل:
والنفس كالطفل إن تهمله شبّ على
حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
ولهذا عزف الصحابة عن التعامل بالربا فلم يبق له ذكر بينهم امتثالاً لأمر الله وطاعة رسوله ، ولم يقولوا لا نستطيع تركه لأن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً ، ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ، ومثله عزوفهم عن الخمر التي كانوا قد شبوا على شربها ونشأوا على حبها وإدمان شربها ، ولما بلغهم تحريمها أخذوا يرمون الأوعية من أيديهم ثم خرجوا إلى السوق وبه ظروف الخمر فجعلوا يطعنونها بالسكانين حتى سالت بالأزقة وهم يقولون والله إن كنا لنكرمك عن هذا المصرع وأما اليوم فقد أهانك الله .