تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعندما ينشأ واجب الزواج من زوجة الشهيد فإنه يندب لهذا الواجب أخ متزوج، باعتبار أن الأخ البكر يفضل له الزواج من بكر مثله لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سأل جابراً عن زواجه: (أتزوجتها بكراً أم ثيباً؟ قال: بل ثيباً. قال: أما تزوجتها بكراً تداعبها وتداعبك) (1)، وندب الأخ المتزوج للزواج من زوجة الشهيد يعنى مواجهة الثقل الجاهلي الرافض لمبدأ التعدد.

ومن هنا يصبح هذا الزواج انتصاراً اجتماعياً على الرواسب الجاهلية، والتعدد من حيث الأصل الشرعي من الأمور المباحة التي يساوى فيها الفعل والترك، أما باعتباره ضرورة لمعالجة آثار الجهاد الإسلامي في الواقع الاجتماعي للدعوة فإنه يصير أمراً مندوباً، وعلة خلف الشهداء في زوجاتهم التي نشأ عنها الندب الشرعي للتعدد ينفي وجود أي علة متعلقة بالزوجة الأولى لتعدد زوجها عليها، وبذلك يكون من السهل عليها قبول الأمر والرضا به؛ لتثبت بهذا القول أن زواجها على الأساس الإسلامي لم يكن من مدخل (الأخذ)، وتحقيق المصلحة، بل كان من مدخل (العطاء)، وتحقيق الالتزام، وواقع التعدد لا يتنافى مع مفهوم الحب كأساس للعلاقة الزوجية، فإذا كان الحب بين الزوجين هو أن تكون الزوجة أحب الناس إلى الزوج دون غيرها، فإنه عند التعدد يصير من الواجب على الزوج إقناع كل زوجة من زوجاته بأنها أحب الزوجات إليه.

ولا يمكن القول بأن علة خلف الشهداء في زوجاتهم كمبرر للتعدد يعالج الأمر تماماً عند الزوجة الأولى، ولكنه يخفف من وطأة الأمر عليها، والجدير بالذكر أن الغيرة بين النساء في واقع الدعوة يخففها الشعور بتميزهن العام عن النساء اللاتي لم يدخلن هذا الواقع، وتثبيت صفة الداعية على المرأة يقلل من صفة الأنثى فيها، وهي الصفة التي تنبع منها مشاعر الغيرة؛ لأن المرأة - كصاحبة دعوة - تكون ذات اهتمامات عالية؛ فيقل في كيان المرأة مشاعر الغيرة باعتبار أنها مشاعر لا تتفق مع علو الاهتمامات، وأيضاً فإن الشعور بالخطر الذي يحيط الدعوة يسهم في تحقيق هذا الأمر، وكذلك فمن الممكن توجيه مشاعر الغيرة إلى عامل تنشيط للمرأة في واقع الدعوة لتحقيق أهدافها، بحيث يصير مقدار هذا التحقيق هو مقدار ما تتميز به عن غيرها من النساء (2)، وفي النهاية يجب أن تلجأ الزوجة إلى الله سبحانه أن يخفف عليها الأمر ويرضيها به، والله على كل شيء قدير.

وللدعاء في معالجة هذا الأمر أثر محقق - إن شاء الله - بدليل ما كان في زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من أم سلمة.

(1) متفق عليه من حديث جابر رواه البخاري في النكاح (121/ 9) ومسلم في النكاح أيضاً.

(2) ولذلك كان يريد الرسول صلى الله عليه وسلم التميز بين نسائه بصالح العمل فيقول (ستتبعني منكن أطولكن يداً ... يقصد الرسول ستلحق بي في الآخرة أكثركن كرماً ولكن نساء الرسول فمنهن أن المقصود هو الطول الفعلي فأخذت كل واحدة تقيس ذراعها وتقارنه بذراع الأخريات مما اضحك النبي صلى الله عليه وسلم). راجع شرحه من صحيح مسلم شرح النووي (8/ 16).

بيت الدعوة · الصفحة ١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بيت الدعوةص ١٩