وقد عرف عن محمد بن الحسن من الحنفية كراهته للعينة رغم قوله بصحة بيع العينة في الصورة الصحيحة السابقة، حيث لا يكون البائع أولاً هو المشتري ثانياً، إذ يروى عنه قوله: (هذا البيع ـ أي بيع العينة ـ في قلبي كأمثال الجبال، ذميم اخترعه أكلة الربا). وحمل بعضهم قوله هذا على عود السلعة إلى البائع بواسطة شخص ثالث،لأنه ـ كما رجح ابن الهمام من الحنفية ـ لا يسمّى البيعُ بيعَ العينة، ما لم ترجع العين التي خرجت من البائع إليه، لأنه اشتقاق هذا الاسم من العينة المسترجعة لا العين مطلقاً ؛وإلا، فكل بيعٍ بيعُ العينة.(1)
وعلى هذا يكون للعينة حكمان عند محمد من الحنفية:
الفساد: حال عدم توسط ثالث في عودها إلى مالكها الأوّل.
الكراهة: حال وجود تلك الواسطة.
أما أبو يوسف، فكان قوله بمقابلة قول محمد، حيث عدَّ العينة مأجوراً من عمل بها، لأنه يعين المضطر بها ويقضي حاجته، واحتج بأن كثيراً من الصحابة فعلوه. وقوله هذا محمول على بيع الرجل المعتان للسلعة في السوق دون تدخل من البائع الأول، وهو ما يسمّى بالتورق عند الحنابلة، كما سيأتي.
هذا وقد عدَّد الحنفيّة صوراً أخرى للعينة كلها جائزة منها: أن يقرضه خمسة عشر مثلاً إلى أجل ثم يبيعه ثوباً قيمته عشرة بخمسة عشر، فيعطيه المقترض الخمسة عشر ثمناً للثوب، ويأخذ الثوب ليبيعه في السوق بعشرة مثلاً، فيبقى ما في ذمته خمسة عشر إلى أجل هي عن القرض.(2)
الحنابلة:
يفِّرق الحنابلة بين مصطلحي العينة والتورّق، فيعنون بالعينة شراء البائع أولاً السلعة التي باعها على نحو يفيد منه، ويعنون بالتورّق حالة أن يعمد مشتري تلك السلعة إلى رجل آخر فيبيعه إيّاها في السوق مثلاً. فعلى هذا: إن عادت السلعة إلى بائعها الأوّل فهي العينة إن لم تعد فهي التورّق.
(1) حاشية ابن عابدين: 7/613، وانظر فتح القدير للكمال بن همام 6/71 وما بعدها.
(2) حاشية ابن عابدين: 7/613، تبيين الحقائق للزيلعي: 4/163.