ويقول أيضاً: ( المتكلم بصيغ العقود ….. وإن قصد ما لا يجوز قصده كالمتكلم بنكحت وتزوجت بقصد التحليل، وبعت واشتريت بقصد الربا ….، فهذا لا يحصل له مقصوده الذي قصده، وجعل ظاهر اللفظ وسيلةً إليه، فإن في تحصيل مقصوده تنفيذاً للمحّرم، وإسقاطاً للواجب، وإعانةً على معصية الله تعالى، ومناقضة لدينه وشرعه)(1).
الظاهريّة: إن تسمية مذهبهم دالة على حكمهم في هذه المسألة، فهم يأخذون بظاهر اللفظ، ولا ينظرون إلى ما وراءه من علّة وحكمة ومقصد، فهم يقولون إذاً بعدم اعتبار النيّات والمقاصد في العقود، فنراهم يقولون بصحة النكاح الذي يقصد به التحليل، إلا إن نَصَّ في العقد على أنه يطلقها ليُحلّها لغيره فيفسد. (2)
وكذا يصححون بيوع الآجال والعينة. يقول ابن حزم: ( من باع سلعة بثمن مسمى حالةً أو إلى أجل مسمّى، قريباً أو بعيداً، فله أن يبتاع تلك السلعة من الذي باعها منه بثمن مثل الذي باعها به منه وبأكثر منه …. كل ذلك حلال لا كراهية في شيء منه ما لم يكن ذلك عن شرط مذكور في نفس العقد ؛ فإن كان عن شرط، فهو حرام مفسوخ أبداً، محكوم عليه بحكم الغصب ) (3).
وهكذا نخلص من عرض تلك المذاهب إلى أن في المسألة قولين، وهما: قول للشافعية والحنفية ومعهم الظاهريّة باعتبار ظواهر الألفاظ والعقود وإن كانت المقاصد والنيّات بخلافها، ما لم ينصَّ على ذلك في العقد فتفسد اتفاقاً.
والقول آخر للمالكية والحنابلة بتأثير المقاصد والنيّات على العقود صحةً وفساداً. ولكل فريقٍ أدلته وسيأتي ذكر بعضها لاحقاً.
والذي يهمّنا بعد أن عرفنا الخلاف بين الفقهاء في ذلك أن نتوصلَّ إلى معرفة أقوال فقهاء المذاهب في عقود البيع التي غالباً ما يتحيَّل بها للوصول إلى الربا المحرَّم شرعاً كبيوع الآجال والعينة.
(1) إعلام الموقعين لابن القيم: 3/133.
(2) المحلّى لابن حزم: 10/180.
(3) المرجع السابق:9/47 مسألة ( 1558 ).