من الحديث عن العقد والوعد يتبين لنا أن العقد غير الوعد ملزماً كان الأخير أم غير ملزم. ولكن، لمّا كان العقد يفيد التوثيق والإحكام، وكان الإلزام في الوعد يورثه توثيقاً وإحكاماً، وكان كلٌ من الوعد والعقد اتفاقاً ؛ نشأت الشبهة بينهما، وقيل بأنّ الوعد الملزم له شبهة العقد.
واكتساب الوعد الملزم شبهة العقد في المعاوضات يثير إشكالات كثيرة في الفقه، فقد يترتب على ذلك فسادُ التصرّف الذي تمّت المواعدة الملزمة بين طرفين عليه ـ أي إن اختارا الإلزام وتشارطا عليه في اتفاقهما وتواعداهما ـ وقد رأينا كيف أن المالكية لمّا كانوا يتوسَّعون في الشبه، ويعطون لشبهة الشيء حكم حقيقة، فقد أعطوا لمطلق المواعدة على العقد حكم العقد، فقالوا بفساد صورة ( اشتر سلعة كذا بعشرة مثلاً نقداً وأنا أشتريها منك باثني عشر إلى أجل ) لوقوع شبهة بيعتين في بيعة، وبيع ما ليس عند البائع، وشبهة السلف بزيادة بسبب المواعدة الحاصلة في تلك الصيغة، على الرغم من أن المواعدة هنا خالية عمّا يدلّ على صيغة إلزام أو تشارط. فهذه الصورة عندهم يجب أن تخلو عن أي تواعد أو اتفاق ضمني أو صريح حتّى تصحّ.
يقول خليل(1): ( جاز لمطلوب منه سلعةً أن يشتريها ليبيعها بمال، ولو بمؤجل بعضه ).
(1) خليل: خليل بن إسحاق، ضياء الدين الجندي، فقيه مالكي، مصري، أفتى في مصر، أتقن علوماً كثيرة، من كتبه: (المختصر) وهو أشهر مختصر في فقه المالكية، وعلى هذا الكتاب أكثر من ستين شرحاً وحاشية، وقد ترجم إلى الفرنسية، والراجح وفاته سنة 776هـ. شجرة النور الزكية لمحمد خلوف:ص223.