فعلى ما سبق يكون المالكية قد أضافوا معنىً جديداً للبيعتين في بيعة، وهو ما صرَّح به ابن العربي في معرض حديثه عن معاني البيعتين في بيعة وسمّاه بيع ما ليس عندك.(1) ويكون هذا المعنى الجديد مستقلاًَّ في ظاهره عن كل المعاني السابقة للبيعتين في بيعة، ولكنه في جوهره، من وجهة نظر الإمام مالك، يشابه في مضمونه صورة (أبيعكها بمائة على أن أشتريها منك حالّة) وهو معنى من المعاني التي ذكرها ابن رشد الحفيد للبيعتين في بيعة ولكن بلفظ: أبيعكها بثمانين نقداً على أن أشتريها منك بمائة إلى أجل. ولا فرق بينهما (2)
أما وجه الشبه بينهما فحاصل إذا أخذنا مضمون صورة ( أبيعكها بمائة على أن أشتريها منك بثمانين حالّة ) وهو الجمع بين النقد والنسيئة في بيع واحد، وبيع دراهم عاجلة بأخرى آجلة أكثر منها، ولكن مع ملاحظة أن الشراء هنا صوري، إذ تملُّك السلعة ليس مقصوداً، وإنما لغرض الحصول على المال، أي بخلاف الحال في ( ابتع هذا البعير بنقد حتى أبتاعه منك إلى أجل ) إذ قد يبتاع الآمر هذا البعير من المأمور ليقتنيه، فيكون قاصداً تملّك المبيع. فأخذاً بالمضمون السابق، لعلَّ الإمام مالك قد رأى أن مريد شراء البعير لم يملك ما يشتري به البعير، ولم يعرف من يبيعه مثله نسيئة، ثم لم يجد من يقرضه ثمنه، فلجأ إلى رجلٍ يجد غنىً فأمره بشرائه بنقد ليشتريه منه إلى أجل، بدل أن يقترض بفائدة منه فيقعان في الربا الصريح. فتحقق بعمله ذلك مضمون قرض بفائدة وإن لم يكن صريحاً، على النحو الذي يجري في أبيعكها بمائة إلى أجل على أن أشتريها منك بثمانين حالّة، إذ كأن البائع هنا يدفع ثمانين قرضاً لينال مائة إلى أجل.
(1) شرح سنن الترمذي لابن العربي: 5/239.
(2) بداية المجتهد لابن رشد (الحفيد): 2/115.