ومن المعلوم أن الطفل في سن التمييز يمكن أن يحدد مدى التزام أهله بالتوجيهات التي يأمرونه بها , وإلى أي حد يتقيد أهله بالآداب والأخلاق التي ينادون بها , فلا يظن الأب أن الطفل لا يعقل ما يدور حوله , فإنه يتأثر بالقدوة العملية أكثر بكثير مما نظن.
إن كلامنا هما كان جميلاً وحسناً ومتناسقاً، فإنه لن يؤثر في أولادنا، مهما كررناه عليهم، حتى يمتزج بأرواحنا، ويكون مطلقاً حياً في واقعنا العملين، وهنا فقط يؤمن به الأولاد، ويقتدون بنا.
فكيف يسوغ للأب المسلم أن يأمر أولاده بالعفاف والأدب، وبناتَهُ بالحشمة والحياء، ثم يزجُّ بهم في مجتمعات تفشت فيها الرذيلةُ والفواحش، بحجة قضاءِ إجازة الصيف، ثم يسمح للجميع بأن يفعلوا ما شاؤوا، فالأولاد ينطلقون هنا وهناك بلا رقيب، والبناتُ ينزعن الحجاب وجلباب الحياء.
وكيف يسوغ للمسلم أن يأمر أولاده بالتقوى، ومراقبة الله عز وجل في السر والعلن في حين يخادعُ، ويغشُ، ويؤذي المسلمين بلسانه ويده.
وكيف يسوغ للمسلم أن يأمر أولاده بالتقوى وغض البصر عن المحرمات، والبعدِ عن المنكرات في حين يُطلقُ بصره وسمعه للملاهي والمنكرات بحجة الترفيه البرئ.
وكيف يسوغ له أن يأمر أولاده بالمحافظة على الصلاة، وإتقانها في حين يهجرُ المساجدَ، ولا يؤدي الصلاة في أوقاتها المعلومة.
إن هذه التناقضات التي تعيشها الأمة – في أغلب أحوالها- لا يمكن أن توجِد جيلاً متوافقَ النمو، سوىَّ الخلقَ، بل تُخرِّجُ كل مبادئ المجتمع خيرها وشرها، معرضاً عن منهجه وسبيله. فكم عانت الأمة، من بعض أبنائها العاقين، الذين كانوا ثمار هذه التناقضات الأخلاقية، فمنهم من ألحد وكفر، ومنهم من فسق وفجر، ومنهم من سلك سبيل المنافقين، فأخذوا جميعاً بيدٍ واحدةٍ يضربون بمعولِ الهدم كيان الأمة، ويسوقونها نحو الهاوية.