إن حصر النشاط الجنسي في نظام الزواج، وتحريم العلاقات الجنسية خارجه: من أعظم ما سعِدت به الإنسانية، وارتقت به عبر عصورها المختلفة، إلا أن تغيُّراً عظيماً طرأ في هذا العصر على طبيعة هذا النظام، هدَّد الحياة الجنسية، وأنْذر بخطر جليل: فقد تأخر سن الزواج ليوافق طبيعة الظروف الاقتصادية المتردية، وظهر نظام التعليم الحديث، وظهر معه التوسع في تشغيل الفتيات، كل ذلك يقف في وجه قيام الحياة الزوجية في وقت مبكر بصورة طبيعية، فأفرز هذا الوضع الاجتماعي المضطرب جمعاً من المسالك الجنسية المنحرفة خارج حدود الحياة الزوجية ؛ إذ إن طبيعة الدافع الجنسي عند الإنسان تحتاج إلى الإشباع بصورة كافية ودائمة، ولا تتحمل - في كثير من الأحيان- التأجيل، فإما أن يتم هذا الإشباع بطريق مشروع، أو يحصل بطريق غير مشروع، فإذا لم تنصرف الطاقة الشهوية بشيء من ذلك -بصورة كافية- ظهرت مشكلات التوافق الاجتماعي والنفسي، والأمراض العصابية القاهرة، التي تعاني منها المجتمعات الحضارية المتقدمة، في الوقت الذي سَلمتْ منها المجتمعات الريفية البسيطة التي لا تعرف نظام العزوبة، ومن المعلوم: أن الإفراط في كبت الطاقة الجنسية، مع توافر دواعي الإثارة: يُضعف جانباً من قوى الإنسان العقلية المدركة، ويُخلُّ بجانب كبير من كوابحه الخلقية الضابطة؛ ولهذا توسع الإسلام في باب النكاح والتَّسرِّي كأوسع ما يكون، وربما إلى درجة الوجوب أحياناً؛ حتى لا يبقى شيء من مادة الطاقة الجنسية كوقود للانحرافات الخلقية، أو النفسية.
بحوث تربية الفتاة المسلمة · الصفحة ٧٠٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
بحوث تربية الفتاة المسلمةص ٧٠٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي