وقد كان من السلف من يحمل أمَّه في الطواف رغبة في البر بها، ومنهم من كان يتكلف إطعامهما، والإشراف على ذلك بنفسه، ويروي أحدهم كيف كانت ابنته تبرُّه فيقول: "كانت لي ابنة تجلس معي على المائدة فتبرز كفاً كأنها طلْقَةٌ في ذراع كأنها جمَّارة، فلا تقع عينُها على أكْلة نفيسة إلا خصتني بها".
إن ترتيب الأجر العظيم للأبناء على بر الآباء يرجع إلى كونه نوعاً من الجهاد الذي يحتاج إلى تكلُّف ومصابرة، في حين يصير عطاء الآباء تجاه الأبناء فطرياً، ينبعث تلقائياً مع نبضات القلب وسريان الدم، بلا تكلف ولا عظيم مجاهدة؛ لهذا جاء التوجيه للأبناء ببر الآباء، ورتَّب الشارع الحكيم لهم عظيم الأجر على ذلك.
والفتاة أقرب إلى الامتثال بهذه التوجيهات من الذكور، حيث تميل بطبعها في سن الشباب نحو إرضاء الوالدين، فتظهر من الطاعة وامتثال الأوامر، والتقيد بمعايير الكبار، وحسن التَّخلُّق ما يفوق إخوتها الذكور في هذه المرحلة، مما يجعل مبدأ البرِّ عند الفتيات أقرب للتحقق والحصول، فيكون ذلك حافزاً لهن للتمتُّع بتحقيق هذا الواجب الإسلامي العظيم، إلى جانب شعور الفتاة بالراحة النفسية، والاستقرار الانفعالي الذي يحدثه قبولها للبقاء تحت سلطان الوالدين في الأسرة والرضا بتوجيهاتهما وأوامره
12ـ إحسان الفتاة إلى الإخوة والأخوات
من حكمة تشريع المحرمات من النساء في النكاح: دفع أسباب المنافسة بين الذكور والإناث من الإخوة والأخوات، وما تسببه هذه المنافسة من المزاحمة بينهم، وما تؤدي إليه من قطيعة الأرحام، فحرّم الإسلام علاقة النكاح بين الإخوة والأخوات، حتى من الرضاعة؛ لتحصل بهذا التحريم علاقات إجتماعية جديدة، مبرَّأة من كل غرض شهواني، تحمل طابعاً ملؤُهُ العطاء، والمحبة الصادقة الخالصة.