فحكم الخمس لم يكن حكماً جديداً مختصاً بدين الإسلام بل كان أخذ خمس غنائم الحرب وحتى ربعها رائجاً ومعمولاً به في الأمم السالفة وفي الجاهلية كذلك، وكان رؤساء القبائل وقادة المعارك يختصون أنفسهم بمقدارٍ من غنائم الحرب إما الخمس أو الربع، ولكن دين الإسلام لم يشرع مثل هذا الاستئثار والاختصاص (1) .
(1) قال القرطبي في تفسيره (ج 8/ص14): «إن أهل الجاهلية كانوا يرون للرئيس ربع الغنيمة قال شاعرهم: « لك المرباع منها والصفايا *** وحكمك والنشيطة والفضول»». وقال في موضع آخر (ج 18/ص12): «.. إن أهل الجاهلية كانوا إذا غنموا أخذ الرئيس ربعها لنفسه وهو المرباع ثم يصطفي منها أيضاً بعد المرباع ما شاء وفيها قال شاعرهم: «لك المرباع منها والصفايا». [قال في لسان العرب مادة ر ب ع): «المِرْباع: ما يأْخذه الرئيس وهو ربع الغنيمة؛ والصَّفايا: ما يَصْطَفِيه الرئيس، والنَّشِيطةُ: ما أَصاب من الغنيمة قبل أَن يصير إِلى مُجتَمع الحيّ، والفُضول: ما عُجِزَ أَن يُقْسَم لقلته وخُصَّ به.»].
وجاء في سيرة ابن هشام (ج2 /ص560-563) ضمن ذكر قُدُومُ وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ على رسول الله..والخطبة التي ألقاها خطيبهم وشاعرهم «عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبِ» وما أجابه « ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشّمّاسِ» ثم قيام شاعر بني تميم «الزّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ» بإلقاء قصيدة يعدد فيها مفاخر قومه في أيام الجاهلية فكان فيما قاله: «مِنّا المُلُوكُ وَفِينَا تُقْسَمُ الرّبَعُ». وهنا أوضح ابن هشام هذا المدعى بقوله: «كان من عاداتهم إذا غنموا أن يعطوا الرئيس ربع الغنيمة ويُسمَّى المرباع». ثم جاء في الكتاب ذاته – أي سيرة ابن هشام (2/565) - أن «الزّبْرِقَانَ» قال ضمن قصيدة فَخْرٍ ألقاها أمام رسول الله: «وَأَنّ لَنَا الْمِرْبَاعَ فِي كُلّ غَارَةٍ... نُغِيرُ بِنَجْدٍ أَوْ بِأَرْضِ الْأَعَاجِمِ.»».
من هذا يتبين بوضوح أن هذا الربع كان خاصاً بالغنائم التي تُغْنَم بالغارات والحروب.
وأيضاً في الكتاب ذاته - سيرة ابن هشام (2 /578) نقرأ قصة وفود «عَدِيّ بن حاتم» على رسول الله وقوله عن نفسه: «وَكُنْت نَصْرَانِيّا، وَكُنْت أَسِيرُ فِي قَوْمِي بِالْمِرْبَاعِ.». وقد لامه على ذلك رسول الله (ص) وقال له: «قَالَ: أَوَلَسْت تَأْخُذُ الْمِرْبَاعَ؟ قال: بَلَى، قَالَ: ذَلِكَ لاَ يَحِلُّ لَك فِي دِينِك». وقال الأصمعي أيضاً: ربع في الجاهلية وخمس في الإسلام، وكان يأخذ بغير شرع ولا دين ربع الغنيمة.
وجاء هذا المضمون ذاته في تفسير مجمع البيان للطبرسي (5/261، طبع المطبعة الإسلامية) حيث قال: «ربع الجيش يربعه رباعه رباعه إذا أخذ الغنيمة). وفي تفسير التبيان للشيخ الطوسي (1/234): «والمرباع كانت العرب إذا غزت أخذ رئيس القوم ربع الغنيمة، والباقي بينهم.». وقال «الفاضل الجواد الكاظمي» عليه الرحمة: في «مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام» (2/95): «كان في الجاهلية أن الرؤساء منهم كانوا يستأثرون بالغنيمة لأنهم أهل الرياسة والدولة والغلبة». وفي هذا المعنى نزلت الآية الكريمة بشأن تقسيم الفيء: ﴿..كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ.. ﴾ (الحشر/7) ومعناه: «كي لا يكون أخذه غلبةً وأثرةً جاهليةً.».
والحاصل أن العادة والعرف الرائج زمن الجاهلية كان أن يُعطى رئيس القبيلة مقداراً خاصاً به من غنائم الحرب.
أما في الإسلام فلم يكن الأمر كذلك، فقد ذكر العلامة الحلي في كتابه (منتهى المطلب) (2/922، الطبعة الحجرية القديمة): «.. فإن الغنيمة كانت محرَّمة فيما تقدم من الأديان وكانوا يجمعون الغنيمة فتنزل نار من السماء فتأكلها فلما أرسل الله تعالى محمداً صلى الله عليه وآله أنعم عليه فجعل ماله خاصة. قال الله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾ وقد رُويَ عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «أجراني الخمس ولم يحل لأحد قبلي وَأُحِلَّت ليَ الغنائم» وقال عليه السلام: «أُعْطِيْتُ خَمْسَاً لم يُعْطَهُنَّ أحدٌ قبلي.. وذكر فيها: أُحِلَّت له الغنائم» إذا ثبت هذا فإنَّ النبيَّ كان مختصَّاً بالغنائم». وذكر العلامة أيضاً نحو هذا الأمر في كتابه «تذكرة الفقهاء» (9/114 من الطبعة الجديدة) فقال: «وقد كانت الغنيمة محرمة فيما تقدم من الشرائع، وكانوا يجمعون الغنيمة فتنزل النار من السماء فتأكلها، فلما أرسل الله محمداً (صلى الله عليه وآله) أنعم بها عليه، فجعلها له خاصَّة.».
ونقل المجلسي في «مرآة العقول» (1/422) عين هذه العبارة أيضاً.
بيد أننا لدى التتبع والتحقيق فيما جاء في الكتب السماوية السابقة الموجودة بين أيدينا تبيَّن لنا أن هذا الادعاء عار عن الحقيقة ولا أساس له من الصحة.
ويظهر أن مستند السادة العلماء هو حديث روته العامة عن «جابر بن عبد الله الأنصاري» وفي معناه حديث رواه عبد الرزاق الصنعاني في «المصنَّف» عن أبي هريرة عن النبيّ (ص) (ح 9492، ج5/ص241-242)، ورواه مسلم في صحيحه (كتاب الجهاد والسير/باب تحليل الغنائم لهذه الأمة، ح 1747)، والبخاري في صحيحه من طريق ابْنِ المُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ (3/1136، ح رقم 2956) أن رسول الله (ص) قال: «...فَجَمَعَ الْغَنَائِمَ، فَجَاءَتْ - يَعْنِى النَّارَ - لِتَأْكُلَهَا، فَلَمْ تَطْعَمْهَا، فَقَالَ إِنَّ فِيكُمْ غُلُولاً... [إلى قوله] فَجَاءُوا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنَ الذَّهَبِ فَوَضَعُوهَا، فَجَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا، ثُمَّ أَحَلَّ اللهُ لَنَا الْغَنَائِمَ، رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا»، أما الرواية المشهورة عن «جابر بن عبد الله» عن النبيّ (ص) فهي: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِى... وَأُحِلَّتْ لِىَ الْغَنَائِمُ [وفي رواية البخاري: وَأُحِلَّتْ لِىَ المَغَانِمُ] وَلَمْ تُحَلَّ لأَحَدٍ قَبْلِى.. الحديث». [المترجم: أخرجه البخارى (1/128، رقم 328)، ومسلم (1/370، رقم 521)، والنسائى (1/209، رقم 432)، والدارمى (1/374، رقم 1389)، وابن حبان (14/308، رقم 6398). وهو مروي عن ابن عباس وأبي ذر أيضاً].
فأقول: أولاً: هذا الحديث مشكوك في صحته، أولاً لأنه يخالف آيات الكتاب المجيد، وثانياً: لأننا نجد في كثير من نصوص العَهْدَيْن القديم والجديد آيات تبين أن غنائم الحرب كانت حلالاً للأنبياء السابقين صلوات الله عليهم، وفيما يلي بعض الأمثلة على ذلك:
1- في سفر التثنية من التوراة، الإصحاح 20/ الآية 10 فما بعد: «10 وَحِينَ تَتَقَدَّمُونَ لِمُحَارَبَةِ مَدِينَةٍ فَادْعُوهَا لِلصُّلْحِ أَوَّلاً. 11 فَإِنْ أَجَابَتْكُمْ إِلَى الصُّلْحِ وَاسْتَسْلَمَتْ لَكُمْ، فَكُلُّ الشَّعْبِ السَّاكِنِ فِيهَا يُصْبِحُ عَبِيداً لَكُمْ. 12 وَإِنْ أَبَتِ الصُّلْحَ وَحَارَبَتْكُمْ فَحَاصِرُوهَا 13 فَإِذَا أَسْقَطَهَا الرَّبُّ إِلَهُكُمْ فِي أَيْدِيكُمْ، فَاقْتُلُوا جَمِيعَ ذُكُورِهَا بِحَدِّ السَّيْفِ. 14 وَأَمَّا النِّسَاءُ وَالأَطْفَالُ وَالْبَهَائِمُ، وَكُلُّ مَا فِي المَدِينَةِ مِنْ أَسْلاَبٍ، فَاغْنَمُوهَا لأَنْفُسِكُمْ، وَتَمَتَّعُوا بِغَنَائِمِ أَعْدَائِكُمُ الَّتِي وَهَبَهَا الرَّبُّ إِلَهُكُمْ لَكُمْ. 15 هَكَذَا تَفْعَلُونَ بِكُلِّ المُدُنِ النَّائِيَةِ عَنْكُمُ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ مُدُنِ الأُمَمِ الْقَاطِنَةِ هُنَا.».
2- وفي سفر التكوين، الإصحاح 14/ بعد بيان محاربة إبراهيم مَلِكِ عِيلاَمَ لإنقاذ ابن أخيه لوط من الأسر قال في الآية 20: «وَتَبَارَكَ اللهُ الْعَلِيُّ الَّذِي دَفَعَ أَعْدَاءَكَ إِلَى يَدَيْكَ. فَأَعْطَاهُ أَبْرَامُ عُشْرَ الْغَنَائِمِ كُلِّهَا».
3- وفي هذا المعنى جاء في كتاب «العهد الجديد» ضمن رسالة بولس إلى العبرانيين، الإصحاح 7/الآية 4: «4 لِنَتَأَمَّلِ الآنَ كَمْ كَانَ هَذَا الشَّخْصُ عَظِيماً. فَحَتَّى إِبْرَاهِيمُ، جَدُّنَا الأَكْبَرُ، أَدَّى لَهُ عُشْراً مِنْ غَنَائِمِه.».
4- وفي سفر العدد من التوراة، في الإصحاح 31، ذِكْرٌ لمحاربة موسى للمديانيين وبيانٌ لما غنمه موسى وجنوده منهم فجاء في الآية 9 فما بعد: «9 وَأَسَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ نِسَاءَ الْمِدْيَانِيِّينَ وَأَطْفَالَهُمْ، وَغَنِمُوا جَمِيعَ بَهَائِمِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ وَسَائِرَ أَمْلاَكِهِمْ، 10 وَأَحْرَقُوا مُدُنَهُمْ كُلَّهَا بِمَسَاكِنِهَا وَحُصُونِهَا، 11 وَاسْتَوْلَوْا عَلَى كُلِّ الْغَنَائِمِ وَالأَسْلاَبِ مِنَ النَّاسِ وَالْحَيَوَانِ..». إلى قوله: «17فَالآنَ اقْتُلُوا كُلَّ ذَكَرٍ مِنَ الأَطْفَالِ، وَاقْتُلُوا أَيْضاً كُلَّ امْرَأَةٍ ضَاجَعَتْ رَجُلاً، 18وَلَكِنِ اسْتَحْيَوْا لَكُمْ كُلَّ عَذْرَاءَ لَمْ تُضَاجِعْ رَجُلاً.» إلى أن يصل إلى فقرة توزيع الغنائم فيقول في الآيات 25 فما بعد: «توزيع الغنائم: 25وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: 26«أَحْصِ أَنْتَ وَأَلِعَازَارُ الْكَاهِنُ وَرُؤَسَاءُ الْعَشَائِرِ الْغَنَائِمَ وَالسَّبْيَ مِنَ النَّاسِ وَالْحَيَوَانِ، 27وَقَسِّمِ الْغَنَائِمَ مُنَاصَفَةً بَيْنَ الْجُنْدِ الْمُشْتَرِكِينَ فِي الْحَرْبِ وَبَيْنَ كُلِّ الْجَمَاعَةِ.» ثم بين الزكاة الواجب أداؤها من الغنائم فقال: «28وَخُذْ نَصِيباً لِلرَّبِّ مِنْ غَنَائِمِ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَاحِداً مِنْ كُلِّ خَمْسِ مَئَةٍ مِنَ النَّاسِ وَالْبَقَرِ وَالْحَمِيرِ وَالْغَنَمِ. 29 مِنْ نِصْفِ أَهْلِ الْحَرْبِ تَأْخُذُهَا وَتُعْطِيهَا لأَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ تَقْدِمَةً لِلرَّبِّ. 30وَتَأْخُذُ مِنْ نِصْفِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَاحِداً مِنْ كُلِّ خَمْسِينَ مِنَ النَّاسِ وَالْبَقَرِ وَالْحَمِيرِ وَالْغَنَمِ وَسَائِرِ الْبَهَائِمِ، وَتُعْطِيهَا لِلاَّوِيِّينَ الْقَائِمِينَ عَلَى خِدْمَةِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ». ثم قال: «31فَنَفَّذَ مُوسَى وَأَلِعَازَارُ الْكَاهِنُ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى. 32وَكَانَ النَّهْبُ الْمُتَبَقِّي مِنْ غَنَائِمِ رِجَالِ الْحَرْبِ مِنَ الْغَنَمِ سِتَّ مِئَةٍ وَخَمْسَةً وَسَبْعِينَ أَلْفاً...» ويأخذ في بيان الغنائم بالتفصيل.
5- وفي سفر صموئيل الأول بيان لمحاربة داود للعمالقة وفيه (في الإصحاح 17) إشارة لأخذ داود الغنائم ونصه: «53وَعِنْدَمَا رَجَعَ الإِسْرَائِيلِيُّونَ مِنْ مُطَارَدَةِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ هَجَمُوا عَلَى مُعَسْكَرِهِمْ وَنَهَبُوهُ. 54وَحَمَلَ دَاوُدُ رَأْسَ جُلْيَاتَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَلَكِنَّهُ احْتَفَظَ بِعُدَّةِ حَرْبِهِ فِي خَيْمَتِهِ.».
6- وفي سفر صموئيل الثاني، في الإصحاح 8 إشارة (في الآية 12) إلى «مَا غَنِمَهُ [داود] مِنْ أَسْلاَبِ هَدَدَ عَزَرَ مَلِكِ صُوبَة.».
7- وفي سفر «أَخْبَارِ الأَيَّامِ الأَوَّلُ» وهو من الأسفار الملحقة بالتوراة، جاء في الإصحاح 26، في الآيتين 26-27 إشارة إلى الغنائم والأوقاف التي أوقفت لبناء بيت الله ونصهما: «26وَأَصْبَحَ شَلُومِيثُ هَذَا وَأَقْرِبَاؤُهُ مَسْئُولِينَ عَنْ جَمِيعِ خَزَائِنِ الأَقْدَاسِ الَّتِي خَصَّصَهَا الْمَلِكُ دَاوُدُ وَزُعَمَاءُ الْعَائِلاَتِ وَقَادَةُ الأُلُوفِ وَالْمِئَاتِ، وَرُؤَسَاءُ الْجَيْشِ، 27مِمَّا غَنِمُوهُ مِنْ أَسْلاَبِ الْحَرْبِ، فَخَصَّصُوهَا لِنَفَقَاتِ هَيْكَلِ الرَّبِّ.».
أما موضوع إحراق الغنائم، فبمعزل عن أنه مخالف للعقل ولشريعة الله، فإننا لا نجد له ذكراً في أسفار التوراة والإنجيل، كل ما في الأمر أننا نجد في سفر العدد من التوراة : (الإصحاح 31/الآيتان 22-23) - ما نصه: «22الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالنُّحَاسُ وَالْحَدِيدُ وَالْقَصْدِيرُ وَالرَّصَاصُ، 23وَكُلُّ مَا يَتَحَمَّلُ حَرَارَةَ النَّارِ، أَجِيزُوهُ فِيهَا فَيُصْبِحَ طَاهِراً. وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ أَيْضاً أَنْ تُطَهِّرُوهُ بِمَاءِ التَّطْهِيرِ، وَمَا لاَ يَحْتَمِلُ النَّارَ طَهِّرُوهُ بِمَاءِ التَّطّهِيرِ فَقَطْ. ». فهذا الأمر كان لأجل تطهير أشياء [من الغنائم] من التي تتحمل النار.
وأما عن موضوع تحريم الغنائم فلا نجد في كل الكتاب المقدس أي إشارة لذلك، كل ما في الأمر أننا نجد في سفر صموئيل الأول ما نصه:
«توزيع الغنائم: 21وَعَادَ دَاوُدُ إِلَى الْمِئَتَيْ رَجُلٍ الَّذِينَ أَعْيَوْا عَنِ الْمَسِيرِ وَرَاءَهُ فَخَلَّفُوهُمْ عِنْدَ وَادِي الْبَسُورِ، فَخَرَجُوا لاِسْتِقْبَالِ دَاوُدَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الشَّعْبِ، فَتَقَدَّمَ دَاوُدُ إِلَيْهِمْ لِيَطْمَئِنَّ عَلَى سَلاَمَتِهِمْ. 22غَيْرَ أَنَّ فِئَةً مِنَ المُشَاغِبِينَ مِنْ رِجَالِ دَاوُدَ مِمَّنِ اشْتَرَكُوا مَعَهُ فِي الْحَرْبِ اعْتَرَضُوا قَائِلِينَ: «لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمُ امْرَأَتَهُ وَأَبْنَاءَهُ وَيَمْضِ، أَمَّا الْغَنِيمَةُ الَّتِي اسْتَرْدَدْنَاهَا، فَلاَ نُعْطِيهُمْ مِنْهَا لأَنَّهُمْ لَمْ يَذْهَبُوا مَعَنَا». 23فَقَالَ دَاوُدُ: «لاَ تَفْعَلُوا هَكَذَا يَا إِخْوَتِي، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ أَنْعَمَ عَلَيْنَا وَحَفِظَنَا وَنَصَرَنَا عَلَى الْغُزَاةِ الَّذِينَ أَغَارُوا عَلَيْنَا. 24وَمَنْ يُوَافِقُكُمْ عَلَى هَذَا الأَمْرِ؟ لأَنَّ نَصِيبَ المُقِيمِ عِنْدَ الأَمْتِعَةِ لِحِرَاسَتِهَا كَنَصِيبِ مَنْ خَاضَ الْحَرْبَ، إِذْ تُقْسَمُ الْغَنِيمَةُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ». 25وَمُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ جَعَلَ دَاوُدُ هَذِهِ الْفَرِيضَةَ سُنَّةً تَسْرِي عَلَى إِسْرَائِيلَ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ.».
نعم نجد في سفر يَشُوعَ، الإصحاح السادس (الآيات 17 فما بعد) في قصة فتح أريحا:
«17فَتَكُونُ الْمَدِينَةُ وَكُلُّ مَا فِيهَا مُحَرَّماً لِلرَّبِّ. رَاحَابُ الزَّانِيَةُ فَقَطْ تَحْيَا هِيَ وَكُلُّ مَنْ مَعَهَا فِي الْبَيْتِ، لأَنَّهَا قَدْ خَبَّأَتِ الْمُرْسَلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَرْسَلْنَاهُمَا. 18وَأَمَّا أَنْتُمْ فَاحْتَرِزُوا مِنَ الْحَرَامِ لِئَلاَّ تُحَرَّمُوا وَتَأْخُذُوا مِنَ الْحَرَامِ وَتَجْعَلُوا مَحَلَّةَ إِسْرَائِيلَ مُحَرَّمَةً وَتُكَدِّرُوهَا. 19وَكُلُّ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَآنِيَةِ النُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ تَكُونُ قُدْساً لِلرَّبِّ وَتَدْخُلُ فِي خِزَانَةِ الرَّبِّ». 20فَهَتَفَ الشَّعْبُ وَضَرَبُوا بِالأَبْوَاقِ. وَكَانَ حِينَ سَمِعَ الشَّعْبُ صَوْتَ الْبُوقِ أَنَّ الشَّعْبَ هَتَفَ هُتَافاً عَظِيماً، فَسَقَطَ السُّورُ فِي مَكَانِهِ، وَصَعِدَ الشَّعْبُ إِلَى الْمَدِينَةِ كُلُّ رَجُلٍ مَعَ وَجْهِهِ، وَأَخَذُوا الْمَدِينَةَ. 21وَحَرَّمُوا كُلَّ مَا فِي الْمَدِينَةِ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، مِنْ طِفْلٍ وَشَيْخٍ - حَتَّى الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَالْحَمِيرَ بِحَدِّ السَّيْفِ. 22وَقَالَ يَشُوعُ لِلرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ تَجَسَّسَا الأَرْضَ: «ادْخُلاَ بَيْتَ الْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ وَأَخْرِجَا مِنْ هُنَاكَ الْمَرْأَةَ وَكُلَّ مَا لَهَا كَمَا حَلَفْتُمَا لَهَا». 23فَدَخَلَ الْجَاسُوسَانِ وَأَخْرَجَا رَاحَابَ وَأَبَاهَا وَأُمَّهَا وَإِخْوَتَهَا وَكُلَّ مَا لَهَا، وَكُلَّ عَشَائِرِهَا وَتَرَكَاهُمْ خَارِجَ مَحَلَّةِ إِسْرَائِيلَ. 24وَأَحْرَقُوا الْمَدِينَةَ بِالنَّارِ مَعَ كُلِّ مَا بِهَا. إِنَّمَا الْفِضَّةُ وَالذَّهَبُ وَآنِيَةُ النُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ جَعَلُوهَا فِي خِزَانَةِ بَيْتِ الرَّبِّ. 25وَاسْتَحْيَا يَشُوعُ رَاحَابَ الزَّانِيَةَ وَبَيْتَ أَبِيهَا وَكُلَّ مَا لَهَا. وَسَكَنَتْ فِي وَسَطِ إِسْرَائِيلَ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ، لأَنَّهَا خَبَّأَتِ الْمُرْسَلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَرْسَلَهُمَا يَشُوعُ لِيَتَجَسَّسَا أَرِيحَا. 26وَحَلَفَ يَشُوعُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ قَائِلاً: «مَلْعُونٌ قُدَّامَ الرَّبِّ الرَّجُلُ الَّذِي يَقُومُ وَيَبْنِي هَذِهِ الْمَدِينَةَ أَرِيحَا. بِبِكْرِهِ يُؤَسِّسُهَا وَبِصَغِيرِهِ يَنْصِبُ أَبْوَابَهَا»».
فتحريم الغنائم وحرقها كان أمراً خاصاً بفتح أريحا وإلا فإن غنائم الحرب كانت مباحةً وحلالاً للأنبياء ولأتباعهم في الأديان السابقة على الإسلام كما أُحِلَّت في الإسلام.
إذن لم يكن هناك في الأمم الماضية حرق للغنائم بنار تنزل من السماء، وفي تلك الواقعة الخاصة (فتح أريحا) قاموا الغانمون أنفسهم بحرق المدينة، لا أن ناراً نزلت من السماء فحرقتها.