تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهذا تحقيق وعد الله من ناحية طبيعة الدين وحقيقته . فأما من ناحية واقع الحياة , فقد صدق وعد الله مرة , فظهر هذا الدين قوة وحقيقة ونظام حكم على الدين كله فدانت له معظم الرقعة المعمورة في الأرض في مدى قرن من الزمان . ثم زحف زحفا سلميا بعد ذلك إلى قلب آسيا وأفريقية , حتى دخل فيه بالدعوة المجردة خمسة أضعاف من دخلوا في إبان الحركات الجهادية الأولى . . وما يزال يمتد بنفسه دون دولة واحدة - منذ أن قضت الصهيونية العالمية والصليبية العالمية على الخلافة الأخيرة في تركيا على يدي "البطل" الذي صنعوه ! - وعلى الرغم من كل ما يرصد له في أنحاء الأرض من حرب وكيد , ومن تحطيم للحركات الإسلامية الناهضة في كل بلد من بلاد الإسلام على أيدي "أبطال" آخرين من صنع الصهيونية العالمية والصليبية العالمية على السواء .

وما تزال لهذا الدين أدوار في تاريخ البشرية يؤديها , ظاهرا بإذن الله على الدين كله تحقيقا لوعد الله , الذي لا تقف له جهود العبيد المهازيل , مهما بلغوا من القوة والكيد والتضليل !

ولقد كانت تلك الآيات حافزا للمؤمنين المخاطبين بها على حمل الأمانة التي اختارهم الله لها بعد أن لم يرعها اليهود والنصارى . وكانت تطمينا لقلوبهم وهم ينفذون قدر الله في إظهار دينه الذي أراده ليظهر , وإن هم إلا أداة . وما تزال حافزا ومطمئنا لقلوب المؤمنين الواثقين بوعد ربهم , وستظل تبعث في الأجيال القادمة مثل هذه المشاعر حتى يتحقق وعد الله مرة أخرى في واقع الحياة . بإذن الله .

----------

وفي التفسير الوسيط :

بين - سبحانه - بعد ذلك ما يهدف إليه أهل الكتاب من وراء أقاويلهم الكاذبة ، ودعاواهم الباطلة فقال : ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ ويأبى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون ﴾ .

والمراد بنور الله : دين الإِسلام الذى ارتضاه . سبحانه - لعباده ديناً وبعث به رسوله ، صلى الله عليه وسلم ، وأعطاه من المعجزات والبراهين الدالة على صدقه ، وعلى صحته ما جاء به مما يهدى القلوب ، ويشفى النفوس ، ويجعلها لا تدين بالعبادة والطاعة إلا لله الواحد القهار .

وقيل المراد بنور الله : حججه الدالة على وحدانيته - سبحانه - وقيل المراد به ، القرآن ، وقيل المراد به : نبوة النبى - صلى الله عليه وسلم - وكلها معان متقاربة .

والمراد بإطفاء نور الله : محاولة طمسه وإبطاله والقضاء عليه ، بكل وسيلة يستطيعها أعداؤه ، كثغراهم للشبهات من حول تعاليمه ، وكتحريضهم لأتباعهم وأشياعهم على الوقوف فى وجهه ، وعلى محاربته .

والمراد بأفواههم . أقوالهم الباطلة الخارجة من تلك الأفواه التى تنطق بما لا وزن له ولا قيمة .

والمعنى : يريد هؤلاء الكافريون بالحق من أهل الكتاب أن يقضوا على دين الإِسلام ، وأن يطمسوا تعاليمه السامية التى جاء بها نبيه - صلى الله عليه وسلم - عن طريق أقاويلهم الباطلة الصادرة عن أفواههم من غير أن يكون لها مصداق من الواقع تنطبق عليه ، أو أصل تستند إليه ، وإنما هى أقوال من قبيل اللغو الساقط المهمل الذى لا وزن له ولا قيمة . .

قال الآلوسى ما ملخصه : فى الكلام استعارة تمثيلية ، حيث شبه - سبحانه - حال أهل الكتاب فى محاولة إبطار نبوة النبى ، صلى الله عليه وسلم ، عن طريق تكذيبهم له ، بحال من ريد أن ينفخ فى نور عظيم مثبت فى الآفاق ليطفئه بنفخه .

.

وروعى فى كل من المشبه به معنى الإِفراط والتفريط ، حيث شبه الإِبطال والتكذيب بالإِطفاء بالفم ، ونسب النور إلى الله - تعالى - العظيم الشأن .

ومن شأن النور المضاف إليه - سبحانه - أن يكون عظيما ، فكيف يطفأ بنفخ الفم . .

وقوله : ﴿ ويأبى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون ﴾ بشارة منه - سبحانه - للمؤمنين ، وتقرير لسنة التى لا تتغير ولا تتبدل فى جعل العاقبة للحق وأتباعه .

والفعل ﴿ يأبى ﴾ هنا بمعنى لا ريد أو لا يرضى - أى : أنه جار مجرى النفى ، ولذا صح الاستثناء منه .

قال أبو السعود : وإنما صح الاستثناء المفرغ - وهو قوله ﴿ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ ﴾ . من الموجب ، وهو قوله ﴿ ويأبى الله ﴾ - لكونه بمعنى النفى ، ولوقوعه فى مقابلة قوله : ﴿ يُرِيدُونَ ﴾ ، وفيه من المبالغة والدلالة على الامتناع ما ليس فى نفى الإِرادة ، أى : لا يريد شيئا من الأشياء إلا إتمام نوره فيندرج فى المسثنى منه بقاؤه على ما كان عليه ، فضلا عن الإِطفاء .

وفى إظهار " النور " فى مقام الإِضمار مضافا إلى ضميره - سبحانه - زيادة اعتناء بشأنه ، وتشريف له على تشريف ، وإشعار بعلة الحكم .

وجواب ﴿ وَلَوْ ﴾ فى قوله ﴿ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون ﴾ محذوف لدلالة ما قبله عليه .

والمعنى : يريد أعداء الله أن يطفئوا نور الله بأفواههم ، والحال أن الله - تعالى - لا يريد إلا إتمام هذا النور ، ولو كره الكافرون هذا الإِتمام - سبحانه - دون أن يقيم لكراهتهم وزنا .

فالآية الكريمة وعد من الله ، تعالى للمؤمنين بإظهار دينهم وإعلاء كلمتهم لكى يمضوا قدماً إلى تنفيذ ما كلهم الله به بدون إبطاء أو تثاقل ، وهى فى الوقت نفسه تتضمن فى ثناياها الوعيد لهؤلا الضالين وأمثالهم .

- ثم أكد - سبحانه - وعده بإتمام نوره ، وبين كيفية هذا الإِتمام فقال : ﴿ هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى وَدِينِ الحق لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المشركون ﴾ .

والمراد بالهدى : القرآن الكريم المشتمل على الارشادات السامية ، والتوجيهات القويمة ، والأخبار الصادقة ، والتشريعات الحكيمة .

والمراد بدين الحقك دين الإِسلام الذى هو خاتم الأديان .

وقوله ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ ﴾ من الإِظهار بمعنى الإِعلاء والغلبة بالحجة والبرهان ، والسيادة والسلطان .

والجملة تعليلية لبيان سبب هذا الإِرسال والغاية منه .

والضمير فى ﴿ لِيُظْهِرَهُ ﴾ يعود على الدين الحق أو الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمعنى : هو الله - سبحانه - الذى أرسل رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم ، بالقرآن الهادى للتى هى أقوم ، وبالدين الحق الثابت الذى لا ينسخه دين آخر ، وكان هذا الإِرسال لإِظهار هذا الدين الحق على سائر الأديان بالحدة والغلبة ، ولاظهار رسوله ، صلى الله عليه وسلم ، على أهل الأديان كلها ، بما أوحى إليه - سبحانه - من هدايات ، وعبادات ، وتشريعات ، وآداب . . . . فى اتباعها سعادة الدنيا والآخرة .

وختم - سبحانه - هذه الآية بقوله : ﴿ وَلَوْ كَرِهَ المشركون ﴾ وختم التى قبلها بقوله : ﴿ وَلَوْ كَرِهَ المشركون ﴾ للاشعار بأن هؤلاء الذين قالوا : ﴿ عُزَيْرٌ ابن الله وَقَالَتْ النصارى المسيح ابن الله ﴾ قد جمعوا بسبب قولهم الباطل هذا ، بين رذيلتى الكفر والشكر ، وأنه ، سبحانه ، سيظهر أهل دينه على جميع أهل الأديان الأخرى .

هذا ، وقد ساق الإِمام ابن كثير بعض الأحاديث الى تؤيد ذلك ، منها : ما ثبت فى الصحيح عن رسول الله . صلى الله عليه وسلم . أنه قال : " إن الله زوى لى الأرض من مشارقها ومغاربها ، وسبيلغ ملك أمتى ما زوى لى منها " .

وروى الإِمام أحمد عن مسعود بن قبيصة بن مسعود يقول : صلى هذا الحى من محارب الصبح ، فلما صلوا قال شاب منهم : سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : " إنه ستفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها ، وإن عمالها فى النار ، إلا من اتقى الله وأدى الأمانة " .

بابا الفاتيكان في الميزان · الصفحة ٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بابا الفاتيكان في الميزانص ٧٥