تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

"أما سذاجتنا وبله رجالنا , فحدث عن البحر ولا حرج ! وأي بله أعظم من اغترارنا بالصورة المنكرة التي صوروا بها مآثرنا حتى كدنا نؤمن بصحتها ومطابقتها للحقيقة ? وما دار بخلدنا أن ننظر إلى الأيدي الأثيمة التي عملت عملها في رسم هذه الصورة المزورة , وأن نبحث عن الأقلام الخفية التي تفننت في تمويهها وزخرفتها . وقد بلغ من اغترارنا بتزويرهم , وانخداعنا بتلك الصورة المموهة أن اعترانا الخجل والندامة , وعدنا نعتذر إلى القوم , نبدل كلام الله , ونحرف الكلم عن مواضعه , ونقول لهم:"ما لنا وللقتال , أيها السادة , إنما نحن دعاة مبشرون , ندعو إلى دين الله , دين الأمن والسلام والدعة بالحكمة والموعظة الحسنة , نبلغ كلام الله تبليغ الرهبان والدراويش والصوفية , ونجادل من يعارضنا بالتي هي أحسن , بالخطب والرسائل والمقالات حتى يؤمن من يؤمن بدعوتنا عن بينة ! هذه هي دعوتنا لا تزيد ولا تنقص ! أما السيف والقتال به فمعاذ الله أن نمت إليه بصلة . اللهم إلا أن يقال:إننا ربما دافعنا عن أنفسنا حينما اعتدى علينا أحد ! ذلك أيضاً قد مضت عليه سنون وأعوام طويلة . أما اليوم فقد أظهرنا براءتنا من ذلك أيضاً ! ومن أجل ذلك نسخنا الجهاد "رسمياً" . ! ذلك الجهاد الممقوت الذي يعمل فيه السيف عمله ! حتى لا يقلق بالكم ولا يقض عليكم المضجع ! فما الجهاد اليوم إلا مواصلة الجهود باللسان والقلم ; وليس لنا إلا أن نلعب بمرهفات الألسنة وأسنة الأقلام ! أما المدافع والدبابات والرشاشات وغيرها من آلات الحرب واستخدامها , فأنتم أحق بها وأهلها ! " .

"هذه مكايدهم السياسية التي كشفنا لك القناع عن بعضها فيما تقدم . لكنا إذا أنعمنا النظر في المسألة من الوجهة العلمية , ودققنا النظر في الأسباب التي أشكل لأجلها استجلاء حقيقة "الجهاد في سبيل الله" , واستكناه سرها على المسلمين أنفسهم فضلاً عن غير المسلمين , لاح لنا أن مرجع هذا الخطأ إلى أمرين مهمين لم يسبروا غورهما , ولم يدركوا مغزاهما على وجه الحقيقة:

"فالأول:أنهم ظنوا الإسلام نحلة [ ] بالمعنى الذي تطلق عليه كلمة " النحلة " [ ] عامة . .

"والثاني:أنهم حسبوا المسلمين أمة [ ] بالمعنى الذي تستعمل فيه هذه الكلمة في عامة الأحوال .

"فالحقيقة أن خطأ القوم في فهم هذين الأمرين المهمين , وعدم استجلائهم لوجه الحق في هاتين المسألتين الأساسيتين هو الذي شوه وجه الحقيقة الناصعة في هذا الشأن , وعاقهم عن إدراك مغزى الجهاد الإسلامي . بل الحق - والحق أحق أن يتبع - أن هذا الخطأ الأسياسي في فهم هاتين المسألتين قد أرخى سدوله على حقيقة الدين الإسلامي بأسره , وقلب الأمر ظهراً لبطن , وجعل موقف المسلمين من العالم ومسائله المتجددة ومشاكله المتشعبة حرجاً ضيقاً , لا يرضاه الإسلام وتعاليمه الخالدة:"فالنحلة [ ] على حسب الاصطلاح الشائع عندهم , لا يراد بها إلا مجموعة من العقائد والعبادات والشعائر . ولا جرم أن "النحلة " بهذا المعنى لا تعدو أن تكون مسألة شخصية . فأنت حر فيما تختاره من العقيدة ; ولك الخيار في أن تعبد بأي طريق شئت من رضيت به رباً لنفسك . وإن أبت نفسك إلا التحمسلهذه النحلة والانتصار لعقيدتها فلك أن تخترق الأرض , وتجوب بلاد الله الشاسعة , داعياً إلى عقيدتها , مدافعاً عن كيانها بالحجج والبراهين , مجادلاً من يخالفونك فيها بمرهفات الألسنة وأسنة الأقلام . أما السيف وآلات الحرب والقتال , فمالك ومالها في هذا الشأن ? أتريد أن تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين بعقيدتك ?! وإن كان الإسلام نحلة [ ] كنحل العالم , على حسب الاصطلاح الشائع عندهم كما يزعمون , فالظاهر أنه لا شأن فيها للسيف وأدوات الحرب , كما قالوا . ولو كان موقف الإسلام في نفس الأمر كما زعموا ووصفوا لما كان فيه مساغ للجهاد , ولم يكن من الإسلام في ورد ولا صدر ; لكن الأمر على خلاف ذلك , كما سوف تعرفه فيما يأتي من البيان . وكذلك كلمة "الأمة " [ ] فما هي إلا عبارة عن طائفة من الناس متوافقة فيما بينها [ ] اجتمعت وتألفت وامتازت من بين طوائف أخرى لاشتراكها في بعض الأمور الجوهرية . فالطائفة التي تكون "أمة " , بهذا المعنى , لا يبعثها على استخدام السيف إلا أمران:إما أن يعتدي عليها أحد , ويريد أن يسلبها حقوقها المعروفة ; وإما أن تحمل هي بنفسها على طائفة أخرى لتنتزع من يدها حقوقها المعروفة . ففي الصورة الأولى منهما , لها سعة في الأمر , وهي لا تخلو من وازع خلقي يلجئها إلى استخدام السيف والبطش بمن اعتدى عليها . وإن كان بعض المتشدقين بالأمن والسلام لا يبيح ذلك أيضاً ! - أما الصورة الثانية - أي الاعتداء على حقوق غيرها والإغارة على الشعوب والأمم من غير ما سبب - فلا يبيحها غير الجبابرة المسيطرين [ ] حتى إن ساسة الدول الكبرى كبريطانيا وأمريكا أيضاً لا يقدرون أن يجترئوا على القول بجوازها !

"فإن كان الإسلام "نحلة " كالنحل الأخرى , والمسلمون "أمة " كغيرهم من أمم العالم , فلا جرم أن "الجهاد" الإسلامي يفقد بذلك جميع المزايا والخصائص التي جعلته رأس العبادات ودرة تاجها . . لكن الحقيقة أن الإسلام ليس بنحلة كالنحل الرائجة , وأن المسلمين ليسو بأمة كأمم العالم . . بل الأمر أن الإسلام فكرة انقلابية [ ] ومنهاج انقلابي يريد أن يهدم نظام العالم الاجتماعي بأسره ويأتي بنيانه من القواعد , ويؤسس بنيانه من جديد حسب فكرته ومنهاجه العملي . . ومن هناك تعرف أن لفظ "المسلم" وصف للحزب الانقلابي العالمي [ ] الذي يكونه الإسلام , وينظم صفوفه , ليكون أداة في إحداث ذلك البرنامج الانقلابي الذي يرمي إليه الإسلام , ويطمح إليه ببصره . والجهاد عبارة عن الكفاح الانقلابي [ ] عن تلك الحركة الدائبة المستمرة التي يقام بها للوصول إلى هذه الغاية , وإدراك هذا المبتغى .

بابا الفاتيكان في الميزان · الصفحة ٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بابا الفاتيكان في الميزانص ٦٥