تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال الفخر الرازي : وذكر عند الدخول كلمة ﴿ قد ﴾ وذكر عند الخروج كلمة ﴿ هم ﴾ لأن الفائدة من ذكر كلمة ﴿ قد ﴾ تقريب الماضي من الحال . والفائدة من ذكر كلمة ﴿ هم ﴾ التأكيد في إضافة الكفر إليهم ، ونفي أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فعل ، أي : لم يسمعوا منك يا محمد عند جلوسهم معك ما يوجب كفرا ، فتكون أنت الذي ألقيتهم في الكفر ، بل هم الذين خرجوا بالكفر باختيار أنفسهم .

ويبدو لنا أنه عبر عن دخولهم بقوله ﴿ وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر ﴾ وعبر عن خروجهم بقوله : ﴿ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ ﴾ بإضافة ضميرهم مع قد ، للإِشارة إلى أنهم عند خروجهم كانوا أشد كفراً ، وأقسى قلوبا منهم عند دخولهم .

وهذا شأن الجاحديون المنافقين ، لا تؤثر فيهم العظات مهما كانت بليغة ، ولا النذر مما كانت قوية ، بخلاف قلوب المؤمنين فإن المواعظ تزيدها يقينا على يقينها ، وإيمانا على إيمانها . ألا ترى إلى قوله - تعالى - :

﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إِيمَاناً فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُون . وَأَمَّا الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾ وقوله - تعالى - : ﴿ والله أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ ﴾ وعيد شديد لهم على كفرهم ونفاقهم .

أي : والله - تعالى - أعلم بما كانوا يخفونه من نفاق وخداع عند دخولهم وعند خروجهم ، لأنه - سبحانه - لا تخفى عليه خافية من أحوالهم .

ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من رذائلهم فقال : ﴿ وترى كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإثم والعدوان وَأَكْلِهِمُ السحت ﴾ .

والرؤية في قوله : ﴿ وترى ﴾ بصرية .

والإِثم : هو كل قول أو عمل لا يرضاه الله - تعالى - .

والعدوان : مجاوزة الحد في الظلم والتعدي . والسحت : هو المال الحرام كالرشوة وغيرها .

أي : وترى - أيها الرسول الكريم أو أيها السامع - كثيرا من هؤلاء اليهود ، يسارعون في ارتكاب الآثام وفي التعدي والظلم وأكل المال الحرام بدون تردد أو تريث . والتعبير بقوله : ﴿ وترى ﴾ يفيد أن ارتكابهم لهذه المنكرات لم يكن خافيا أو مستوراً ، وإنما هم يرتكبونها مجاهرة وعلانية ، لأن فضيلة الحياء قد نضبت من جوههم . والمسارعة في الشيء : المبادرة إليه بسرعة وخفة ونشاط ، وأكثر استعمالها في الخير كما قال - تعالى - ﴿ أولئك يُسَارِعُونَ فِي الخيرات ﴾ ﴿ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات ﴾ وقد استعملت هنا في مسارعتهم في الإِثم والعدوان وأكلهم السحت ، للإِشارة إلى أنهم كانوا يقدمون على هذه المنكرات وكأنهم محقون فيها .

والتعدية بحرف ﴿ في ﴾ تؤذن بأنهم مغمورون في الآثام؛ وأنهم ينتقلون فيها في حال إلى حال أخرى شر منها ، حتى لكأن السير في طريق الحق والصدق والفضيلة صار غير مألوف عندهم .

وقوله : ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ تذييل قصد به تقبيح أعمالهم التي يأباها الدين والخلق الكريم .

أي : لبئس شيئا كانوا يعملونه هذه المنكرات التي منها مسارعتهم في الإِثم والعدوان وأكلهم السحت .

وهذه الجملة هي حكم من الله - تعالى - عليهم بذم أعمالهم . وقد جمع - سبحانه - في حكمه بين صيغة الماضي ﴿ كانوا ﴾ وصيغة المضارع ﴿ يعملون ﴾ للإِشارة إلى أن هذا العمل القبيح كان منهم في الماضي ، وأنهم قد استمروا عليه في حاضرهم ومستقبلهم بدون توبة أو ندم .

وقد أكد - سبحانه - هذا الحكم بالقسم ، وباللام الموطئة للقسم ، وبكلمة بئس الدالة على شدة الذم . أي : أقسم لبئس العمل الذي كان هؤلاء يعملونه من مسارعتهم في الإِثم والعدوان وأكلهم السحت .

ثم وبخ - سبحانه - رؤساء هؤلاء اليهود على سكوتهم على المنكر فقال :

﴿ لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الربانيون والأحبار عَن قَوْلِهِمُ الإثم وَأَكْلِهِمُ السحت ﴾ .

و ﴿ لولا ﴾ هنا للحض على الفعل في المستقبل ، وللتوبيخ على تركه في الماضي فهي لتوبيخ علماء اليهود على تركهم فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الماضي . ولحضهم على مباشرتهم في المستقبل . وهي هنا بمعنى هلا .

والربانيون : كما يقول ابن جرير - جمع رباني . وهم العلماء الحكماء البصراء بسياسة الناس ، وتدبير أمورهم ، والقيام بمصالحهم .

والأحبار - جمع حبر - وهم علماء اليهود وفقهاؤهم المفسرون لما ورد في التوراة من أقوال وأحكام .

والمعنى : إن هؤلاء دأبهم المسارعة إلى اقتراف الآثام وإلى أكل المال الحرام ، فهلا ينهاهم علماؤهم عن هذه الأقوال الكاذبة الباطلة ، وعن تلك المآكل الخبيثة التي أكلوها عن طريق السحت .

والسحت - كما سبق أن بينا - هو المال الحرام كالربا والرشوة . سمي سحتا من سحته إذا استأصله لأنه مسحوت البركة أي مقطوعها . أو لأنه يذهب فضيلة الإِنسان ويستأصلها واليهود أرغب الناس في المال الحرام وأحرصهم عليه .

وقد وبخ الله - تعالى - علماء اليهود وفقهاءهم على عدم نهيهم لهم عن قولهم الإِثم وأكلهم السحت ، لأن هاتين الرذيلتين هما جماع الرذائل ، إذ القول الباطل الكاذب إذا ما تعود عليه الإِنسان هانت عليه الفضائل ، وقال في الناس ما ليس فيهم بدون تحرج أو حياء .

وأكل السحت يقتل في نفسه المروءة والشرف ، ويجعله يستهين بحقوق الناس وأموالهم .

ولقد ألف علماء اليهود أكل أموال الناس بالباطل بدعوى أن هذا الأكل سيغفره الله لهم ، ألا ترى قول الله - تعالى - : ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الكتاب يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ﴾ قال بعض العلماء : واقتصر - سبحانه - في توبيخ الربانيين على ترك نهيهم عن قول الإِثم وأكل السحت ، ولم يذكر العدوان - الذي ورد في الآية السابقة إيماء إلى أن العدوان يزجرهم عنه المسلمون ولا يلتجئون في زجرهم إلى غيرهم لأن الاعتماد في النصرة على غير المجني عليه ضعف .

وقوله : ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾ تذييل قصد به ذم علماء اليهود بسبب تركهم لفضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

وقوله : ﴿ يَصْنَعُونَ ﴾ من الصنع وهو العمل بدقة ومهارة وإحكام .

أي : والله لبئس الصنع صنعهم حيث تركوا نهى عامتهم عن قول الإِثم وأكل السحت .

وقد تكلم المفسرون عن السر في أن الله تعالى - ذم اليهود بقوله : ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ وذم علماءهم وفقهاءهم بقوله : ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾ .

وقد أجاد الكلام عن ذلك الإِمام الرازي فقال : والمعنى ، أن الله - تعالى - استبعد من علماء أهل الكتاب أنهم ام نهوا سفلتهم وعوامهم عن المعاصي ، وذلك يدل على أن تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه ، لأنه - تعالى - ذم الفريقين . . بل نقول : إن ذم تارك النهي عن المنكر أقوى ، لأنه - سبحانه - قال في المقدمين على الإِثم والعدوان وأكل السحت ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ وقال في العلماء التاركين للنهي عن المنكر ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾ والصنع أقوى من العمل ، لأن العمل إنما يسمى صناعة إذا صار راسخا متمكنا ، فجعل جرم العاملين ذنبا غير راسخ . وذنب التاركين للنهي عن المنكر ذنبا راسخا . والأمر في الحقيقة كذلك ، لأن المعصية مرض الروح ، وعلاجه العلم بالله وبصفاته وبأحكامه ، فإذا حصل هذا العلم ومازالت المعصية كان كمثل المرض الذي شرب صاحبه الدواء إلا أن المرض بقي كما هو .

بابا الفاتيكان في الميزان · الصفحة ٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بابا الفاتيكان في الميزانص ٢٩