"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ١، يحذر ما فعلوه وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" ٢.
ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور ولا الصلاة عندها، وذلك لأن من أكبر أسباب عبادة الأوثان، كان تعظيم القبور؛ ولهذا اتفق العلماء على أنه من سلم على النبي ﷺ عند قبره، فلا يشبه ببيت المخلوق ببيت الخالق كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين، ورأسه الذي لا يقبل الله عملا إلا به. ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ ٤. ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام، وأعظم آية في القرآن، آية الكرسي: ٥ ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ٦ وقال ﷺ: "من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة"٧.
والإله هو الذي تأله القلوب عبادة له، واستعانة به، ورجاء له، وخشية وإجلالا ٨. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
الرسالة السابعة والستون: إلى عبد العزيز بن حسن قاضي محمل
...
ثلاثين وسقا، وفضلت له سبعة عشر،/فجاء جابر رسول/١ الله ﷺ ليخبره بالذي كان، فوجده يصلي العصر، فلما انصرف أخبره بالفضل، فقال: "أخبر بذلك ابن الخطاب". /فذهب/٢ جابر إلى عمر/ فأخبره/٣، فقال /له/٤ عمر: فقد علمت حين مشى فيها رسول الله ﷺ، ليباركن فيها"٥. وقبل هذا قال –رحمه الله-: باب إذا قضى دون حقه أو حلله فهو جائز. وساق الحديث مختصرا من طريق آخر، لكن ذكر فيه شاهدا للترجمة، وهو قوله: "فأتيت النبي ﷺ، فسألهم أن يقبلوا تمر حائطي ويحللوا أبي"٦.
إذا عرف هذا بطل قول السائل: "وظاهر هذا إباحة المجهول بالمعلوم في الجنس"، فلا جهالة والحالة هذه؛ لأن الحديث صريح في أن تمر الحديقة دون الثلاثين، وإنما بورك فيه لما مشى فيه ﷺ.
وقول السائل: "وهو ممنوع شرعا"، عبارة لا ينبغي أن تورد على الأحاديث النبوية، وهل الشرع إلا ما جاء عن الله وعن رسوله؟
وأيضا فهي فاسدة في نفسها؛ فإن الاعتياض بالمجهول عن المعلوم في الجنس جائز في غير ربا الفضل، إذا حصل التراضي؛ لأن للمدين أن يزيد، و"خيركم أحسنكم قضاء"٧؛ ولرب الدين أن يضع من دينه ما شاء.
١ تقدم تخريجه في ص ٦٦٦.
٢ تقدم تخريجه في ص ٧١٢.
٣ سورة النساء الآية "٤٨".
٤ سورة النساء الآية "٤٨".
٥ هذا ما جاء في حديث عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ فضرب في صدري وقال: والله ليهنك العلم أبا المنذر". صحيح مسلم بشرح النووي ٥/٣٤١، صلاة المسافرين، باب سورة الكهف وآية الكرسي.
٦ سورة البقرة: الآية "٢٥٥".
٧ تقدم تخريجه في ص ٦٢٣.
٨ إلى هنا نهاية كلام شيخ الإسلام في الرسالة. وقد ورد أيضا في تيسير العزيز الحميد، ص ٢٢٨، ط/٧، ١٤٠٨هـ، المكتب الإسلامي.
١ هكذا في أصل النص عند البخاري. وفي جميع النسخ زيادة حرف إلى: "فجاء جابر إلى".
٢ هكذا في أصل النص عند البخاري. وفي جميع النسخ: فجاء.
٣ ساقط في جميع النسخ. مثبت في أصل النص.
٤ ساقط في جميع النسخ. مثبت في أصل النص.
٥ صحيح البخاري مع الفتح، ٥/٧٣، الاستقراض، باب إذا قاص أو جازف في الدين تمرا بتمر أو غيره.
٦ صحيح البخاري مع الفتح، ٥/٧٢، كتاب الاستقراض، من طريق ابن كعب بن مالك، "أن جابر بن عبد الله أخبره ... " في الباب المذكور.
٧ صحيح البخاري مع الفتح، ٥/٧٢، الاستقراض، باب حسن القضاء. صحيح مسلم بشرح النووي، ١١/٤٢، المساقاة، باب: من استلف شيئا فقضى خيرا منه، وخيركم أحسنكم =