إن من شرِّ الناس من يوافيك بزَّلتك فيعرض عنك، وبحسنتك فيقبل عليك، وخيرهم، من لا يرقب منك زلةً ولا حسنة، فتكون عنده الصاحب الودود، والشِّربَ المورود، والحبل المتين الممدود، وأصدقهم لك مودَّةً من لا يعدو عليك في سرٍّ، ويرد عنك في علانية، فيقول فيه الناس قولاً حسناً، ويذكرونه ذكراً جميلاً، وأضّلهم مودَّة عنك من يرى في نعمةٍ يصيبها منك مغنماً واجباً، وإذا مسّته منك ضراءُ خفيفة، جعلك غرضاً يُرمى، يثخنك بجراح سهامه.
(18)
أي بُني:
اعلم أنَّ الجمال والقبح ضدان لكنهما نسبيان.
وأن خير النساءِ من تستميل الرجل إليها بعقلها، فيكون به جمالها، وأن شر النساء من تُقصى الرجل عنها بحمقها وإن كانت أجمل النساء، وكم من امرأة استمالت الرجل إليها بحسن عشرتها، فحسنت في عينه وهي قبيحة، وكم من امرأة صدَّت الرجل عنها بسوءِ عشرتها، فقبحت في عينه وهي جميلة، وكم من امرأة بهر الناس جمالها فأودَت ببيتها.
وكم من امرأة قال الناس عنها إنها قبيحة فملأت بيتها بهجة ورجاءً.
فإذا طلبت امرأة لتكون لك حليلةً تحصن بها بيتك على أنها صالحة عاقلة، ولا يخدعنَّك الجمال الذي يذوي ثم أنت به تشقى.
(19)
أي بُني:
1- اعلم وقاك الله السوء أن من الناس من إن تحرص على إدنائه أعرض عنك، وإن حرصت على إقصائه أقبل عليك.
2- ومن الناس من إذا شام منك تواضعاً استكبر عليك. ومن إن رأى منك ما يظنُّه استكباراً كان كالعبد بين يديك.
3- ومن الناس من إذا أحسنت إليه حسبك راهباً منه، ومن إذا أسأت إليه ظنك راغباً فيه.
4- ومن الناس من لا يستقيم أمره إلا والعصا تقرع رأسه، ومنهم لا يستقيم أمره إلا بنظرة ودادٍ تخالط نفسه.
5- ومن الناس من إذا رأى منك ابتسامةً تمرَّد عليك، ومنهم من إذا أدمت العبوس في وجهه أدام الخضوع عند قدميك.
6- ومن الناس حاله في الإحسان كحال النساءِ، إن أحسنت إليه الدهر، ثم أسأت إليه مرة، قال: ما رأيت منك إحساناً قط.