تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد وصف الله سبحانه وتعالى في كتابه الأرض بالخشوع فقال : (ومِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) [ فصلت : 39 ] ، فاهتزازها وربوها ـ وهو ارتفاعها بالرَّيِّ والنبات ـ مزيل لخشوعها ، فدل على أنَّ الخشوع الذي كانت عليه هو سكونها وانخفاضها، فكذلك القلب إذاً ، فإنَّهُ تسكن خواطره وإراداته الرديئة التي تنشأ من اتباع الهوى ،وينكسر وينخضع لله ، فيزول بذلك ما كان فيه من التعاظم والترفُّع والتكبُّر ، ومتى سكن ذلك في القلب خشعت الأعضاء والجوارح والحركات كلها حتى الصوت .

وقد وصف الله تعالى الأصوات بالخشوع في قوله:(وَخَشَعَتْ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ)[طه:108] فخشوع الأصوات هو سكونها وانخفاضها بعد ارتفاعها50.

وبالجملة فإن الخشوع قيام القلب بين يدي الرب بالخضوع والذل والجمعية عليه، والتعظيم والإجلال والوقار والمهابة والحياء . فينكسر القلب لله كسرة ملتئمة من الوجل والخجل والحب والحياء وشهود نعم الله . فيخشع القلب لا محالة فيتبعه خشوع الجوارح . . .

ويتفاوت الخشوع في القلوب بحسب تفاوت معرفتها لمن خشعت له ، وبحسب تفاوت مشاهدة القلوب للصفات المقتضية للخشوع .

فمن خاشع لقوة مطالعته لقرب الله من عبده واطلاعه على سره المقتضي للاستحياء من الله تعالى ومراقبته في الحركات والسكنات .

ومن خاشع لمطالعته لكماله وجماله، المقتضي لمحبته والشوق إلى لقائه ورؤيته .

ومن خاشع لمطالعته شدَّةَ بطشه وانتقامه وعقابه المقتضي للخوف منه .

وأول ما تفقد هذه الأمة الخشوع ،كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : » أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع ، حتى لا ترى فيها خاشعاً « 51.

فالخشوع أول ما يرفع من القلوب ، تتلوه أعمال الجوارح ، كعقدٍ انفرط فتتابع نظمه ، فبذهاب الخشوع تكون العبادة بغير روح .

وصايا على الطريق

1 ـ لا تكثرالضحك .

أصول نفيسة في اصلاح القلوب · الصفحة ٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أصول نفيسة في اصلاح القلوبص ٢٧