ولا يعترض على هذا الحال بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بعض الأحوال القاسية يبشر أصحابه بأمور بعيدة كل البعد عن واقع الحال الذي هم عليه، كتبشيره إياهم يوم (الخندق) بأنهم سيهزمون كسرى والروم، وكذلك ما حصل في قصة (الهجرة) عندما وعد (سراقة بن مالك) بسواري كسرى، وذلك لأن هذا الإعتراض لا يستقيم مع الكلام حول هذا الحديث.
فالكلام ها هنا عن عرض مقدم من النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض الناس ورتب عليه في حال القبول جزاءاً محدداً ومبيناً، فهو لم يبشرهم بأمر غيبي، ولم يعدهم بقضية مستقبلية، ولم يبادر هو بالوعد دون أي عرض مقدم منه.
فحال الحديث ها هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم عرضاً ووجهه إلى الحاضرين، وقال بأن الذي يقبل بهذا العرض سيكون له الجزاء الفلاني، وفعلاً فإن الذي يرجع إلى هذا الحديث يجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أعطى علياً الجزاء الذي علقه على العرض وأعلنه كما يقول هذا الحديث مباشرة بعد موافقة علي رضي الله عنه على العرض.
عرض لا يستقيم مع ضعف النبي صلى الله عليه وسلم في مكة
بل إن حال النبي صلى الله عليه وسلم لا يستقيم مطلقاً مع هذه الدعوة من جهة، إن الذي يدعو من بني هاشم لهذا العرض هو أصلاً صاحب وجاهة، ومنصب، ورياسة فلذلك فالدعوة هذه لا تغريه ولا تؤثر فيه، بل ينبغي على النبي صلى الله عليه وسلم ان يعرض عليه أمراً يفتقده وهو بحاجة إليه، وان يدعوه إلى أمرٍ يغريه ويمكن أن يحصله عاجلاً خصوصاً وأن المقابلين له كانوا من المكذبين لدعوته، النافين لامكانية حصوله على أي رياسة أو قيادة.
ومن جهة أخرى إن هذه الدعوة فيها من التحريض ما لا يخفى كيف لا وهو يقول لهم: إني أنا الذي سأسلمك الأمر واتولى زمامه بدلاً عنكم لذلك ينبغي عليكم ان تخضعوا لي وتحفضوا ما وجهكم بقبولكم عرضي وحتى لا تفوتكم الفرصة فاني اعد من يناصرني بأن يكون نائباً لي يخلفني من بعدي.