تعالى: "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَاكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ" [السجدة:27]، ثم أنزل ذلك الماء قطرة قطرة لا تلتقي واحدة مع صاحبتها في الجو، مع تحريك الرياح لها حتى تنزل كل قطرة على حيالها إلى موضعها من الأرض , ولولا أن مدبراً حكيماً عالماً قادراً دبره على هذا النحو، وقدره بهذا الضرب من التقدير، كيف كان يجوز أن يوجد نزول الماء في السحاب مع كثرته، وهو الذي تسيل منه السيول العظام على هذا النظام والترتيب؟ ولو اجتمع القطر في الجو وائتلف، لقد كان يكون نزولها مثل السيول المجتمعة منها بعد نزولها إلى الأرض، فيؤدي إلى هلاك الحرث والنسل وإبادة جميع ما على الأرض من شجر وحيوان ونبات, وكان يكون كما وصف الله تعالى من حال الطوفان في نزول الماء من السماء في قوله تعالى: "فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ" [القمر:11]، فيقال إنه كان صباً كنحو السيول الجارية في الأرض، ففي إنشاء الله تعالى السحاب في الجو، وخلق الماء فيه، وتصريفه من موضع إلى موضع، أدل دليل على توحيده وقدرته (1).
(1) أحكام القرآن للجصاص 1/ 145، 146.