تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد أدركت المجتمعات البشرية بشكل جازم أيضاً، أن المجتمع حتى تدوم علاقاته ولا يتفكك وينهار، لا بد له من نظام هو بمثابة القواعد السلوكية التي يتقيد بها أعضاؤه والتي تنظم العلاقات بين الناس فيه وتعالج المشاكل الناتجة عن تلك العلاقات، وأنه لا بد من قيام سلطة في ذلك المجتمع تقوم على حفظ ذلك النظام وتطبيقه ورعاية شؤون المجتمع به وتمنع مخالفته وتأخذ على يد مخالفيه. لأن الناس إن تركوا ليحقق كل فرد منهم مصلحته كيفما أراد ولينال غاياته من الآخرين على مزاجه وهواه فإن المجتمع سيتحول إلى شريعة الغاب التي يأكل القوي فيها الضعيف، أو لتحول الناس إلى أسماك يأكل الكبير منها الصغير، وبالتالي سينهار المجتمع ويتحول عن كونه مجتمعاً. من هنا رأينا الناس منذ فجر التاريخ يتعارفون داخل مجتمعاتهم على نظام معين ويحرصون على تطبيقه، ورأيناهم دائماً يذعنون لسلطة ترعى شؤونهم بهذا النظام وتفرض الالتزام به على كل الأفراد وتأخذ على يد المخالفين له. هذه السلطة عرفت بالسلطة السياسية وعرفت أيضاً بالدولة.

إلا أن الناس وجدوا أنفسهم أمام مشكلة مهمة حيال ذلك الأمر، ألا وهي : من أين لهم هذا النظام ؟ فالقضية ليست أن يلتزم الناس بمطلق نظام. فالأنظمة كثيرة متعددة. ولكل نظام أثره في المجتمع، فهناك نظام ينهض بالمجتمع، وهناك نظام ينحط به المجتمع. هناك نظام يؤدي إلى سعادة الإنسان، وهناك غيره يؤدي به إلى الشقاء والتعاسة. مما يضع الإنسان أمام مسؤولية كبيرة، ألا وهي مسؤولية اختيار النظام الصحيح والصالح الذي يؤدي بتنظيمه لعلاقات الناس ومعالجته للمشاكل الناتجة عن تلك العلاقات إلى النهضة الصحيحة لتلك الجماعة البشرية، وبالتالي إلى السعادة والهناء والرفاهة.

أسس النهضة الراشدة · الصفحة ٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أسس النهضة الراشدةص ٧٤