تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالتعريف الصحيح هو ذلك التعريف الذي يلحظ الفرق الجوهري بين الناس الذين يشكلون مجتمعاً ولو كانوا بضع مئات في قرية، وبين الناس الذين اجتمعوا في وقت من الأوقات دون أن يشكلوا مجتمعاً ولو بلغوا عشرات الألوف. وهذا الفرق الجوهري يكمن في أن أهل القرية قامت بينهم علاقات دائمية حافظت على تماسكهم وجعلت منهم وحدة متماسكة وأعطت لمجموعهم - وليس لأفرادهم - شخصية متميزة بحيث أصبح لهذا المجموع هوية محددة. بينما ركاب الباخرة الذين يعدّون الألوف ليسوا أكثر من رفاق طريق ولا تربطهم أية علاقة دائمية، فهم سيتفرقون بمجرد النزول على الرصيف.

إذن، فالمجتمع هو مجموعة من الناس تؤلف بينهم علاقات دائمية، بها يقوم ذلك المجتمع وبتميّزها يتمّيز. فإن كانت هذه العلاقات راقية كان ذلك المجتمع راقياً وإن كانت منخفضة كان منخفضاً.

وهنا يبرز السؤال التالي:

كيف تكون هذه العلاقات راقية، وكيف تكون منخفضة؟ الجواب يكمن في معرفة العوامل التي تتحكم بهذه العلاقات.

إن النظرة العميقة إلى واقع المجتمع ترينا أن الذي يتحكم بعلاقات الناس فيه ثلاثة أشياء، هي المفاهيم والمشاعر والأنظمة.

أما المفاهيم، فذلك أن الإنسان يكون سلوكه تابعاً لمفاهيمه التي يحملها، فهو يفعل ما يراه صواباً، ويترك ما يراه خطأً، وحتى تقوم العلاقة بين الناس لابد أن تكون المفاهيم مشتركة، ذلك أن الناس اجتمعوا على المصلحة، ولا تقوم العلاقة بين طرفين إلا إذا توحدت المفاهيم لديهما حول المصلحة. أما إذا اختلفت المفاهيم حول المصلحة، فلن تقوم العلاقة.

وأما المشاعر، فذلك أن المفاهيم التي يحملها الناس، ترتبط بها مشاعر من جنسها، وحتى تقوم العلاقة بينهم، لابد أن تتوحد مشاعرهم تجاه المصلحة التي اجتمعوا عليها، فيفرحون جميعاً لما يرونه صواباً ويغضبون وينزعِجون جميعاً لما يرونه خطأً. وهذه الأفكار والمشاعر هي التي يتكون منها العرف العام في المجتمع.

أسس النهضة الراشدة · الصفحة ١١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أسس النهضة الراشدةص ١١٨