يقولون: يجب أن تكون الحكومة بيد الفقيه، والحال أننا رأينا أن هذا الكلام لا دليل عليه، أضف إلى ذلك أنه إذا جُعل شيءٌ ما شرطاً لشيء آخر فلا بدَّ أن يكون بينهما تناسبٌ، مثلاً: لو قيل ينبغي على المهندس أن يكون عالماً بالرياضيات أو يجب أن يكون القاضي فقهياً لكان هذا القول صحيحاً؛ أما إن قيل يجب على المهندس أن يكون فقيهاً، فأنتم أنفسكم ستضحكون من هذا الشرط وتقولون ما التناسب بين الفقه والهندسة؟ إن المَلِكَ يجب أن يمتلك بدايةً استعداداً وأهليةً ذاتيةً تؤهّله للقيام بأعباء هذا المنصب، ثم عليه أن يكون ذا علمٍ واطلاع جيّدين على الأمور العسكرية والتاريخية ونحوها، فالشخص الذي يمكن أن تمنح ساعةٌ من وقته البلادَ ملايين الدراهم من النفط، ما الفائدة في أن يصرف ساعات بل أياماً من عمره ووقته ليبحث هل مقدمة الواجب واجبة أم لا؟! ثم إننا نقول إن البلاد مثلها مثل السفينة التي تحتاج إلى رُبَّان يقودها في وسط العواصف والأمواج ويوصلها إلى برّ الأمان أيَّاً كان هذا الرُبَّان، فإذا كان الفقيه اليوم غير راغب بالقيام بهذه المهمّة أو غير قادر على القيام بها، فما هو مصيرنا نحن ركاب السفينة؟ هل علينا أن نستسلم لأمواج البحر لتطيح بنا حيث تشاء؟!!
يقولون يجب أن تكون الحكومة حكومةً دينيةً. إذا كان المقصود من الدين ذلك الدين الذي يتأقلم مع الحياة، فأي شيء أفضل من ذلك. عندما تريدون مثل هذا الدين من الدولة، من اليقين أنها ستقبل طلبكم لأن الدين أفضل داعمٍ للدولة، ومن الذي يستغني عن مثل هذا الدعم؟ أما إن كان قصدكم من الدين هذا الدين الذي نملكه اليوم، فينبغي أن نقول بلا مواربة إن هذا الدين مثله مثل تمثال ورقي يمكن فقط أن يوضع خلف الزجاج ليتفرَّج الناس عليه، أما لو أرادوا أن يخرجوه يوماً من بطون الكتب ويطبقونه بحذافيره مئة بالمئة، ففي ذلك اليوم علينا أن نقرأ الفاتحة على البلاد وعلى حياتنا.