تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

و قد علمت ما حدثنا به منصور عن الأسود عن علقمة عن إبن مسعود أنّ رسول الله صلّى الله عليه و سلّم قال: " رُبّ متخوّض في مال الله و رسوله فيما شاءت نفسه له النّار غدا "

فقال أبو عبيد الكاتب: أمير المؤمنين يُستقبل بمثل هذا؟.

فيجيبه سفيان بقوّة المؤمن و عزّة المسلم: أسكت، إنّما أهلك فرعون هامان، و هامان فرعون.

/ و قال سفيان للمهدي: أنظر عمر بن الخطاب.

قال: عمر له أصحاب.

فقال سفيان: فعمر بن عبد العزيز، فقد كان في فتنة و في ما كان فيه، فما تكلّم في شيء إلاّ صار سنة.

فقال: فإن لم أطق؟

قال سفيان: إجلس في بيتك. (1)

و هكذا يتذرّع من يُدافع عن الحكام قائلين أنّهم مكرهون من طرف الغرب الكافر في تحكيمهم للقوانين الوضعية، و كذا مكرهون في عدم نصرتهم للمسلمين المُعتدى عليهم من طرف الغرب الكافر، الجواب عن هذه التُّرّاهة ما قاله سفيان الثوري رحمه الله تعالى: ليجلس هؤلاء الحكام في بيوتهم، و يتركوا الأمر إلى من يقدر أن يتحمّله.

/ و قال (2) سفيان الثوري لرجل من أصحابه ولاّه أبو جعفر المنصور القضاء، فقال له الثوري: ويحك ذبحوك، ذبحوك بغير سكّين، كيف إذا قيل يوم القيامة: أين أبو جعفر و أتباعه؟ قمت فيهم.

- الإمام النّوويّ يحي بن شرف الملقّب بمحيي الدّين المكنّى بأبي زكريا الدمشقي الشافعي المتوفّى 676 هج ببلدته نوى إحدى قرى حوران جنوبي دمشق، لم يتجاوز عمره الخامسة و الأربعين. رحمه الله تعالى.

لمّا خرج الظاهر بيبرس إلى قتال التتار بالشام، أخذ فتاوى بجواز أخذ مال من الرّعية يستنصر به على قتالهم، فكتب له فقهاء الشام بذلك فأجازوه.

فقال: هل بقي من أحد؟. ... فقيل له: نعم بقي محي الدّين النّوويّ.

فطلبه فحضر؛ فقال له: أكتب خطك مع الفقهاء.

فإمتنع (و تقريبا كان من أصغرهم رحمه الله تعالى، فلم يُعيّر بما نسمعه اليوم من الألقاب).

فقال له: ما سبب إمتناعك؟.

فقال: أنا أعرف أنّك كنت في الرّق للأمير " بندقدار " و ليس لك مال، ثمّ منّ الله عليك و جعلك ملكا، و سمعت عندك ألف مملوك، كلّ مملوك له حياصة من ذهب، و عندك مائتا جارية لكلّ جارية حق من الحليّ، فإذا أنفقت ذلك و بقيت مماليكك بالبنود و الصرف بدلا من الحوائص، و بقيت الجواري بثيابهن دون الحليّ، أفتيتك بأخذ المال من الرّعية (3).

فغضب الظاهر من كلامه؛ و قال: أخرج من بلدي – يعني دمشق –

فقال: السّمع و الطّاعة. و خرج إلى " نوى ".

فقال الفقهاء: إنّ هذا من كبار علمائنا و صلحائنا و ممّن يُقتدى به، فأعده إلى دمشق (4).

فرسم برجوعه. فإمتنع الشيخ؛ و قال: لا أدخلها و الظاهر فيها. فمات بعد شهر.

و من المعاصرين من سار على درب هؤلاء العلماء الربّانيين فكانوا خير خلف لخير سلف:

(1) - مقدمة الجرح و التعديل (1/ 113)

(2) - نفس المصدر

(3) 106 - أين هي فتاوى العلماء الذّين إعتادوا الدّخول على الحكّام أو الدّفاع عنهم من مثل هذه المناصحة و حكّام هذا الزمان سلّطوا الضرائب بكلّ أنواعها على طبقة معيّنة من الرعيّة على حساب طبقة، و فرضوا المكوس عليهم، بل صاروا - أي الحكّام - يعيشون و كأنّهم يملكون الأرض و العباد.

(4) 107 - أنظر نفسية هؤلاء العلماء الطّيبة تجاه الإمام النّووي مع أنّه خالفهم، فكيف بنفسية علماء هذا الزمان تجاه العلماء الذّين وقفوا موقف الحق تجاه هؤلاء الحكّام؟ كان الموقف هو التشهير و التقزيم، و هذا ما حصل للعلاّمة حمود بن عقلاء الشعيبي رحمه الله تعالى لمّا صدع بالحق في مختلف القضايا حُصر و شوّه، بل أصدر بعض المشايخ بيانا بعد وفاته في تقزيمه و هو الذّي تخرّج على يديه كثير منهم رحمه الله تعالى.

أصناف العلماء و أوصافهم · الصفحة ٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أصناف العلماء و أوصافهمص ٥٥