تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(ثم قل بسم الله رب الغلام) وبهذا يكون الغلام قد أعطى للناس تفسيراً للموقف فيكون قتله رغبة منه وسبباً من عنده .. يتحقق بقدر الله بعد أن عجز الملك.

ويستجيب الملك لأوامر الغلام استجابة الضعيف المضطر فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهماً من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال: (بسم الله رب الغلام).

استجاب الملك لأوامر الغلام لأنه وجد نفسه أمام ثلاثة أمور: إما أن يترك الغلام يدعو بدعوته كيفما شاء .. وكان هذا الحال سينتهي بإيمان الناس. وإما أن يستمر في تأكيد عجزه عن ذلك وتتأكد للناس قوة الله الذي يحمي الغلام وكان هذا الحال أيضاً سينتهي بإيمان الناس.

والأمر الثالث وهو ما اختاره الملك، والذي انتهى بقتل الغلام وأيضاً آمن الناس، فقد أراد الله أن يؤمن الناس وأن تعلو كلمته وقضى بذلك سبحانه وحكم ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه. وعلى أساس هذا الموقف نفهم قول الله الذي جاء في سورة البروج: ﴿والله من ورائهم محيط﴾ [البروج: 20].

(ثم رماه في صدغه (1) فوضع يده في صدغه فمات) وهذه العبارة تتضمن حقيقة قدرية هائلة .. حقيقة الربط بين السبب والنتيجة وهي لحظة الفرق بين الضرب بالسهم وموت الغلام حيث تقول العبارة (ثم رماه فوقع السهم في صدغه .. ) .. فلم يمت .. لم يتحقق ربط السبب بالنتيجة .. (فوضع يده في صدغه .. ) .. (فمات).

وقد كانت هذه الحقيقة القدرية الأخيرة التي تتحدد بها العلاقة السبب والنتيجة. سبقها عدة حقائق.

ففي القصة النتيجة التي تتحقق بعكس مقصود البشر من السبب فنفس الغلام الذي أراد البشر أن يكون داعية للضلال. يريد الله أن يكون داعية للحق، وفي نفس طريق الغلام إلى الساحر يلتقي بالراهب ويجلس إليه ويسمع منه ويعجبه كلامه.

وفي القصة النتيجة الهائلة بالسبب البسيط .. مثلما قتل الغلام الدابة التي كانت تسد على الناس الطريق بحجر صغير.

وهو المعنى المتحقق كذلك بهزيمة الملك ووقوع ما كان يحذره بسبب هذا الغلام الصغير.

وفي القصة المختلفة بالسبب الواحد وذلك عندما كان الغلام وأصحاب الملك فوق الجبل فرجف بهم الجبل وجاء إلى الملك وكذلك عندما كان الغلام وأصحاب الملك في السفينة فانكفأت بهم السفينة فغرقوا وجاء يمشي إلى الملك.

ومن مجموع هذه الحقائق نفهم من سورة البروج قول الله سبحانه: ﴿فعال لما يريد﴾ [البروج: 16].

لأن هذه الآية هي حقيقة كل الحقائق.

ولقد كان آخر ما قاله الغلام هو أمره للملك بأن يقول: (بسم الله رب الغلام) وبهذه الكلمة فتح الغلام للناس باب الإيمان. فقد كانوا يعرفونه محباً لهم وساعياً لمنفعتهم ومداوياً لأدوائهم وما بقي إلا أن يعرف الناس أن للغلام رباً هداه إلى محبتهم وأذن له بشفائهم.

باسمه تحقق عجز الملك وباسمه سيموت الغلام راغباً من أجل إيمانهم وهنا نشعر بمدى القهر الذي انتهى إليه الملك. فبعد أن كان يدعي الربوبية ويعذب ويقتل من لا يدَّعيها له، يقول في النهاية بنفسه .. (باسم الله رب الغلام).

ولذلك لم يكن الغلام خائفاً من أن تنعكس رؤية الناس له وهو يموت خوفاً من الملك بعد قهره بهذا الموقف.

كما أن الغلام لم يكن خائفاً لأنه استطاع أن ينشئ تعاطفاًكاملاً له في نفوس هؤلاء الناس بسلوكه معهم قبل ذلك وبموقف الموت ذاته حيث تحدد الفارق بينه كغلام صغير مصلوب على جذع شجرة وبين الملك الظالم.

وعندما انتهى الخوف من الملك المقهور وبدأ التعاطف مع الغلام الداعية بدأ الناس في الإحساس الصحيح بالموقف.

غلام صغير يحب الناس ويقدم بهم المنافع والخير .. يموت برغبته من أجلهم .. بعد أن أثبت عجز الملك وضعفه من أجل أن يؤمنوا بالله رب الغلام.

(1) - الصدغ: من العين حتى شحمة الأذن.

أصحاب الأخدود · الصفحة ٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أصحاب الأخدودص ٢٥