ولعل مما يؤيد ذلك أن لفظ الرحمن لم يذكر في القرآن إلا مجرى عليه الصفات كما هو الشأنِ في أسماء الذات . قال - تعالى- : ﴿ الرحمن عَلَّمَ القرآن ﴾ و﴿الرحمن عَلَى العرش استوى﴾﴿ قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن ﴾ وهكذا . . .
أمَّا لفظ الرحيم فقد كثر في القرآن استعماله وصفًا فعليًا ، وجاء في الغالب بأسلوب التعدية والتعلق بالمنعم عليه . قال - تعالى - ﴿ إِنَّ الله بالناس لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ ﴿ وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً ﴾ ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ﴾ إلخ .
قال بعض العلماء " وهذا الرأي في نظرنا هو أقوى الآراء ، فإن تخصيص أحد الوصفين بدقائق النعم أو ببعض المنعم عليهم لا دليل عليه ، كما أنه ليس مستساغاً أن يقال في القرآن : إن كلمة ذكرت بعد أخرى لمجرد تأكيد المعنى المستفاد منها " (1) .
إنها صلة الرحمة والرعاية التي تستجيش الحمد والثناء . إنها الصلة التي تقوم على الطمأنينة وتنبض بالمودة ، فالحمد هو الاستجابة الفطرية للرحمة الندية .
إن الربَّ الإله في الإسلام لا يطارد عباده مطاردة الخصوم والأعداء كآلهة الأولمب في نزواتها وثوراتها كما تصورها أساطير الإغريق . ولا يدبر لهم المكائد الانتقامية كما تزعم الأساطير المزورة في « العهد القديم » كالذي جاء في أسطورة برج بابل في الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين . (2)
------------------
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ لَمَّا قَضَى الخَلْقَ ، كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ : إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي " (3) .
وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضى الله عنه - قَدِمَ عَلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - سَبْىٌ ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْىِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِى ، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِى السَّبْىِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا
(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 1)
(2) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 4)
(3) - صحيح البخارى(7422 )