تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَاعْتَبَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ هَذِهِ الشُّرُوطَ أَوْ أَكْثَرَهَا مِنْ أَرْكَانِ التَّوْبَةِ فَقَالُوا : التَّوْبَةُ النَّدَمُ مَعَ الإِْقْلاَعِ وَالْعَزْمِ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ ، وَرَدِّ الْمَظَالِمِ ، وَقَال بَعْضُهُمْ : النَّدَمُ رُكْنٌ مِنَ التَّوْبَةِ ، وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ الإِْقْلاَعَ عَنِ الذَّنْبِ وَالْعَزْمَ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدَةِ ، وَأَمَّا رَدُّ الْمَظَالِمِ لأَِهْلِهَا فَوَاجِبٌ مُسْتَقِلٌّ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّوْبَةِ (1) . وَيُؤَيِّدُ هَذَا الرَّأْيَ مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ . - صلى الله عليه وسلم - قَال : النَّدَمُ تَوْبَةٌ (2) .

وَعَلَى جَمِيعِ الاِعْتِبَارَاتِ لاَ بُدَّ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الإِْقْلاَعَ عَنِ الذَّنْبِ لاَ يَتِمُّ إِلاَّ بِرَدِّ الْحُقُوقِ إِلَى أَهْلِهَا ، أَوْ بِاسْتِحْلاَلِهِمْ مِنْهَا فِي حَالَةِ الْقُدْرَةِ ، وَهَذَا كَمَا يَلْزَمُ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ يَلْزَمُ كَذَلِكَ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى ، كَدَفْعِ الزَّكَوَاتِ ، وَالْكَفَّارَاتِ إِلَى مُسْتَحِقِّيهَا (3) .

وَرَدُّ الْحُقُوقِ يَكُونُ حَسَبَ إِمْكَانِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ أَوِ الْمَغْصُوبُ مَوْجُودًا رَدَّهُ بِعَيْنِهِ ، وَإِلاَّ يَرُدُّ الْمِثْل إِنْ كَانَا مِثْلِيَّيْنِ وَالْقِيمَةَ إِنْ كَانَا قِيَمِيَّيْنِ ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ نَوَى رَدَّهُ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهِ ، وَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِنِيَّةِ الضَّمَانِ لَهُ إِنْ وَجَدَهُ . فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ فِيهَا حَقٌّ ، فَإِنْ كَانَ حَقًّا لآِدَمِيٍّ كَالْقِصَاصِ اشْتَرَطَ فِي التَّوْبَةِ التَّمْكِينَ مِنْ نَفْسِهِ وَبَذْلَهَا لِلْمُسْتَحِقِّ ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى كَحَدِّ الزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَتَوْبَتُهُ بِالنَّدَمِ وَالْعَزْمِ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي آثَارِ التَّوْبَةِ (4) .

إِعْلاَنُ التَّوْبَةِ :

قَال ابْنُ قُدَامَةَ : التَّوْبَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ بَاطِنَةٍ وَحُكْمِيَّةٍ ، فَأَمَّا الْبَاطِنَةُ : فَهِيَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ تَعَالَى ، فَإِنْ كَانَتِ الْمَعْصِيَةُ لاَ تُوجِبُ حَقًّا عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ كَقُبْلَةِ أَجْنَبِيَّةٍ أَوِ الْخَلْوَةِ بِهَا ، وَشُرْبِ مُسْكِرٍ ، أَوْ كَذِبٍ ، فَالتَّوْبَةُ مِنْهُ النَّدَمُ وَالْعَزْمُ عَلَى أَنْ لاَ يَعُودَ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَال :النَّدَمُ تَوْبَةٌ ،وَقِيل : التَّوْبَةُ النَّصُوحُ تَجْمَعُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ ، النَّدَمَ بِالْقَلْبِ ،

(1) - المراجع السابقة .

(2) - مر تخريجه

(3) - تفسير الألوسي 28 / 159 ، وحاشية العدوي 1 / 67 ، والروضة 11 / 245 ، وحاشية القليوبي 4 / 201 ، ومدارج السالكين لابن القيم 1 / 305 .

(4) - الفواكه الدواني 1 / 89 ، والروضة 11 / 245 ، والمغني 9 / 201 .

أسبابُ تخلُّفِ الوعيدِ · الصفحة ٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أسبابُ تخلُّفِ الوعيدِص ٣٦