تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد يتناول الاجتهاد بعض المسائل التي تحتمل التعدد، فيصحّح وجهاً خاطئاً تقدمه، أو يكون ما تقدمه صحيحاً ثابتاً، ولكن حبّ الإضافة يقود إلى وجهة نظر جديدة لم تكن من قبل، فيبقى بذلك الرأي المتقدم ويندثر الاجتهاد، لأن الظاهرة لا تحتمل التعدد. ومن النوع الأول تحليل جملة " يهديني " من قوله تعالى: [وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ] (1). ذهب بعضهم إلى أن جملة " يهديني " في موضع نصب، حال من الضمير المستتر في " ذاهب "، كما تقول: سأذهب مهدياً (2). غير أنه تحليل خاطئ لوجود قرينه تمنع ذلك، وهي السين التي تقتضي الاستئناف، لذلك يصحّحه ابن هشام، ويجعل الجملة استئنافية، لأنّ الجملة الحالية لا تصدَّر بدليل استقبال (3).

أما النوع الثاني من الاجتهاد فيما لا يحتمل التعدد فخير مثال عليه ما قاله أبو البقاء العكبري في " أيّ " الاستفهام من قوله تعالى: [وَسَيَعْلمُ الَّذيِنَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنْقِلَبُونَ] (4) فـ " أي " في الآية الكريمة اسم استفهام في موضع المفعول المطلق المقدّم على فعله " ينقلب "، وقُدّم، لأنه اسم استفهام، والاستفهام له الصّدارة. غير أن أبا البقاء لم يرَ ذلك، إذ يروى عنه أنّ "أيَّ: اسم استفهام، وهي صفة لمصدر مقدّر، أي ينقلبون انقلاباً أيّ منقلب (5). وما ذهب إليه غير صحيح لأن " أيَّ " إذا كانت استفهامية لا يوصف بها، فتلك التي يوصف بها قسمٌ برأسه، تختلف من حيث الموقع والوظيفة عن الاستفهامية والشرطية والموصولة (6). ومن ثم يندثر هذا الاجتهاد وأمثاله، ويبقى الرأي الأوّل الذي يقال فيما لا يحتمل التعدد.

(1). سورة الصافات، الآية "99".

(2). مغني اللبيب ص564.

(3). مغني اللبيب ص564.

(4). سورة الشعراء، الآية "227".

(5). البحر المحيط7/ 47.

(6). المصدر نفسه.

أسباب التعدد في التحليل النحوي · الصفحة ٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أسباب التعدد في التحليل النحويص ٥٣