تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أولاً- الخروج على القاعدة:

يبدو أن القاعدة في النحو العربي لم تحظ إلى يومنا هذا بدراسة معمّقة (1)، ولعل المتأمل يلاحظ أن القواعد بمعناها الواسع هي مجموعة من الأحكام، استخلصت من الأنماط التركيبية التي تمثل النظام التركيبي للغة العربية، وهذه الأحكام تستنبط للقياس عليها في عملية التحليل النّحوي، أو في توليد الكلام عند أبناء اللغة، ولعل هذا الأمر كان السبب الذي جعل كثيراً من هذه القواعد يجرَّد في مقولات نظرية.

والملاحظ أن هذه القواعد عند النحاة قسمان، الأول متفق عليه عند الجمهور، وهو ما بني على شواهد لا يُشك في اطرادها، والمراد بالمطّرد (2) ههنا هو النمط التركيبي الذي يرد متكرراً في المستويات الأسلوبية المختلفة، أي أن يرد في القرآن الكريم، وفي كلام العرب شعراً ونثراً، وفي الحديث النبوي الشريف. ومن أمثلة ما بني على المطّرد قاعدة رفع الفاعل والمبتدأ والخبر، والمتلازم بين الموصول وصلته، والعامل والإسناد وغيره. ثم إن ما بني على المطّرد ينقسم قسمين أيضاً، وذلك بحسب أصل الوضع وعدمه، فهناك قواعد أصول وأخرى فروع، ومن النوع الأول، مثلاً أن يقال: إن الأصل في المفعول به التأخّر عن فعله (3)، وبذلك تُجرَّد قاعدة مبنية على أصل الوضع، وقد يخالف هذا الأمر بشواهد مطّردة أيضاً، فيقدم المفعول به على فعله لغاية بلاغية، ومن ثم تولد قاعدة فرعية مبنية على مطردٍ خرج على أصل الوضع تقول: يجوز تقديم المفعول به على الفعل (4). وأصل الوضع في العربية أن يذكر الجار قبل "أن" المصدرية، وقد خولف هذا الأصل بشواهد مطردة، فحذف الجار عند أمن اللبس،

(1). هناك مؤلف يحمل عنوان " القاعدة النحوية " للباحث أحمد عبد العظيم عبد الغني، وقد تأثر صاحبه تأثراً واضحاً بمقولات سُبق بها، وقدمتها بعض الدراسات الحديثة، ويبدو تطبيقها على درسنا النحوي غير دقيق.

(2). لعل الفيصل بين المطرد وغيره ليس من السهولة تحديده، فالنحاة الأوائل لم يوضحوا وتركوا الأمر غائماً، انظر: جطل، مصطفى: نظام الجملة عند اللغويين العرب في القرنين الثاني والثالث للهجرة2/ 563 - 537.

(3). سيبويه، عمرو بن عثمان: كتاب سيبويه1/ 203.

(4). المصدر نفسه 1/ 68، 203.

أسباب التعدد في التحليل النحوي · الصفحة ٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أسباب التعدد في التحليل النحويص ٣