تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

و لكن هذا لم يمنع حمي الوطنية من أن تسري في نواب المجلس مع مرور الوقت و ضغط الرأي العام المضاد للاحتلال البريطاني. و بلغت معارضة المجلس للحكومة ذروتها عام 1909 م، أي بعد 27 سنة من الاحتلال، في تصدي المجلس لمشروع الحكومة برئاسة بطرس غالي باشا لمد امتياز قناة السويس 40 سنة أخري مقابل الحصول علي 4 ملايين جنيه و نسبة من أرباح شركة قناة السويس.

و كان الحزب الوطني بزعامة محمد فريد يتزعم جبهة الرفض للمشروع. و نشر في جريدة اللواء الحزبية خبر اعتزام الحكومة القيام بمد الامتياز، مما أهاج الرأي العام المصري ضد الحكومة، و كان هذا هو أحد اسباب اغتيال بطرس غالي باشا علي يد شاب وطني.

و انتهي أمر المشروع بالتصويت عليه في مجلس شوري القوانين و رفضه من غالبية نواب المجلس ما عدا أعضاء الحكومة و النائب مرقص سميكة. فكان هذا يعد نصراً مؤزراً للمجلس الذي فرض إرادته علي إرادة الحكومة.

ثم جاء دستور 1923 م الذي تمخض عنه أول مجلس نيابي حقيقي له سلطة مساءلة الحكومة و سحب الثقة منها، و لا تستطيع الحكومة أو الملك سن أي قوانين أو تشريعات جديدة قبل عرضها علي المجلس و التصويت عليها إما بالرفض أو القبول.

و لكن هذه المجلس أيضاً لم يكن مثالياً، فقد حدد من سلطاته حق الملك في إقالة الحكومة و حل المجلس في أي وقت، و هو ما حدث في معظم الأحيان، حتي أضحت الحكومة في عصر الملك فاروق أداة طيعة في يد الملك حتي تضمن عدم إقالتها. كما أن الصراع الحزبي بين حزب الأغلبية و أحزاب الأقلية قد بلغ درجة عالية في المجلس ضاعت معه أصوات المنادين بمصلحة الوطن فوق مصالح الأحزاب و الأشخاص.

و نظراً لاكتساب مجلس النواب صلاحيات واسعة بواقع دستور 1923 م، فقد بدأت الانتخابات النيابية تشهد عمليات تزوير لصالح حزب أو ضد حزب بعينه، و أشهرها تزوير انتخابات 1938 م الذي زورها محمد محمود باشا لاسقاط الوفد بناءاً علي رغبة القصر. كما أن القصر و الحكومة استغلا الأحكام العرفية و قاموا بفرضها في معظم الأوقات لتكميم الصحافة و إرهاب أحزاب المعارضة في مجلس النواب لمنعها من انتقاد الحكومة.

لم يستطع الملك فؤاد أن يتحمل دستور 1923 م و ما تمخض عنه من حكومة أغلبية وفدية و مجلس نيابي قوي يسيطر عليه الوفد. لذلك عمد إلي إنشاء أحزاب تكون موالية للقصر لتوازن قوة الوفد و حزب الأحرار الدستوريين في النتخابات و في المجلس.

فنشأ حزب الاتحاد الموالي للقصر. و لكنه مني بهزائم متوالية في الانتخابات التي فاز بها الوفد فوزاً ساحقاً.

فلجأ الملك إلي استخدام الداهية إسماعيل صدقي و قام بتوليته الوزارة، فقام الأخير بإلغاء دستور 1923 م و أصدر دستور 1930 م الذي أعطي صلاحيات واسعة للملك حتي سمي بدستور الملك في مقابل دستور 1923 م الذي سمي بدستور الشعب. كما قام إسماعيل صدقي بإنشاء حزب جديد موال للقصر هو حزب الشعب، و خاض به الانتخابات التي قاطعتها الأحزاب الأخري ما عدا الأتحاد و الوطني.

و فاز حزب صدقي في الاتخابات و شكل الوزارة.

و لكن مظاهرات عارمة تفجرت في الشوارع احتجاجاً علي إلغاء دستور 1923 م تصدي لها البوليس السياسي بقسوة شديدة. و لكن لحسن الحظ أن قوة و دكتاتورية إسماعيل صدقي أخافت الملك فؤاد، فقبل استقالته في 21 ديسمبر 1933 م. و تعد وزارة صدقي أكثر الوزارات اعتداءا علي الدستور و امتهاناً للحياة النيابية.

و من بعده جاءت وزارة عبد الفتاح يحيي التي لم تعمر طويلاً، ثم أصر الإنجليز علي تولية توفيق نسيم الوفدي الوزارة لضبط الأمور، فقام بإلغاء دستور صدقي 1930 م و العودة إلي دستور 1923 م، و جرت الانتخابات و فاز بها الوفد، و تولي مصطفي النحاس الوزارة في مايو 1936 م.

أريج البستان في شهر القرآن · الصفحة ١٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أريج البستان في شهر القرآنص ١٤٤