... أيها السادة المهاجرون.
... أنتم سادة، ولا أقولها جرياً على العادة، وقد ألف الخطباء أن يفتتحوا حديثهم بقولهم: أيها السادة، ولكني في موقفي هذا يطوف في ذهني عنكم معنى السيادة بأكمله، فأنتم قطعة من السيادة في الأمة العربية، نزحتم إلى هذه البلاد، قافلة بعد قافلة، كرهتم عبودية الظلم، وذل الفقر، وهوان الجهل فالتمستم سيادة الحق، وكرامة اليسر، وعزة المعرفة، فكان لكم ما أردتم، وما كانت الهجرة إلاّ طريق أصحاب العزائم، يهاجرون فراراً بدينهم أن يصيبه الأذى، أو هرباً بكرامتهم أن ينالها ضيم، أو نجاة بشرفهم أن يجرحه الظلم والاضطهاد، ولست أجد نداء بليغاً أتوجه به إليكم في حديثي في هذه الليلة إلاّ أن أناديكم: أيها السادة المهاجرون.
... حملت إليكم رسالة كريمة وها قد حان أداؤها. وأتُمِنت أمانة غالية، حل وفاؤها. ولقد أجهدت نفسي كيف يكون الأداء؟ وكيف يكون الوفاء؟ هل أزوركم في مدنكم ومنازلكم ومتاجركم؟ وليس في الوقت سعة. وقد تباعدت مهاجركم بين المشرق والمغرب وبين الشمال والجنوب .. هل أكتب إليكم أفراداً أو جماعات؟ ولكن الكتابة أداة السر الصامت، لا أداة الجهر الداوي. وفي الجهر معنى ليس في السر، ومن هنا كان إلهام شاعرنا القديم حين قال:
... "ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر".
... وهنا أنا أجهر إليكم بالتحية الصادقة، تحية المواطنين إلى المهاجرين. إلى الإخوان النازحين المغتربين، لقد بعدتم عن الوطن الأول وتقادم العهد بينكم وبين الأهل والصحب، ولكن التحية التي أحملها إليكم تفيض بالحياة وما يزيدها البعد إلاّ قرباً، وعطفاً وحباً.