... ولكن خاطراً واحداً أقضّ مضجعي لم أجد له تعزية ولا تسلية، ذلك أن هذه الرحلة كلها، من البحر الميت حتى شمال أفريقيا قد كشفت عن مطارات ومطارات، مرصعة في الصحراء، وعلى مقربة من المدن، آخذة بالنمو والازدياد. هنا في مواطن العرب مطارات تنشأ وتبنى، وأنا ذاهب لأنشئ مكتباً عربياً في واشنطن، أحرك فيه لساني وقلمي. أنا أعنى بالكلام ليسمعوا، وهم يمضون في إقامة القلاع والحصون لنتفرج، فأين نلتقي؟ وكيف نلتقي؟ ومتى نلتقي؟ إذا ما مضينا في إنشاء المكاتب، ومضوا في إنشاء الحصون والقلاع. لعل الأجيال القادمة تجد لنفسها الجواب، فقد التمسته فما وجدته، ولست أبغي أن أكذب نفسي وقومي.
... ومضت بنا الطائرة ثلاث ساعات أو تزيد نقصد إلى وهران، وقد امتدت من تحتنا المزارع والإقطاعات الكبرى منتشرة في الأرض الرحبة، ومن حول وهران الكروم والزيتون والزروع، كل ذلك في تنسيق عجيب، والمنازل الريفية تتصدر المزارع وقد ازدانت بالبساطة والجمال. وليست هذه المنطقة مدينة كبيرة مزدحمة، ولا هي مجموعة قرى زراعية متجاورة، ولكنها إقليم بكامله مرصع بالمزارع المتباعدة، تربطها الطرق والمعابر من كل جهة، إلى كل جهة، ولا يقوم في المزرعة إلاّ بيت أو بيتان. وهذه المنطقة الواسعة عالم رحيب من هذه الإمارات الزراعية، تشبه إقطاعات القرون الوسطى ... كانت هذه هي الجزائر في ذلك الحين ...
... وهكذا فقد زالت معالم العروبة من هذه البقاع الفاتنة، وليس يبرر هذه المظلمة الفادحة أن الأرض قد عمرت بالكروم والأشجار، فإن كل كرمة، وكل شجرة قد أغمدت جذورها في فؤاد شهيد، أو صدر قائد صنديد.