تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تحملني إليها سيارة فندور من حولها ونجوس خلالها وكفى .. ففي ذلك ما يبل جانباً من الشوق، ولكن هذا الضباب قد حرمني هذه المتعة العزيزة.

... وقبل الظهر امتطينا الطائرة إلى طرابلس بعد أن أيقنا انكشاف الغمام، وما هي إلاّ فترة، حتى جالت بنا الطائرة في سماء هذه المدينة، فأشرفنا على زروعها المترامية ونخيلها المنظم، ومنازلها المبعثرة، فثارت في نفسي ذكرى مرابع دمشق وغوطتها، لولا أن النخيل هنا قد أضفى على المدينة لونا عجيباً من الجلال والجمال. ولكن غوطة طرابلس، وإن بعثت الفتنة فإنها تثير الحسرة واللوعة، فإن أكثر هذه الزروع قد خرج من أيدي العرب إلى أيدي الطليان. ودعوت الله أن يكون ذلك إلى حين، وحين قريب!

... وفي محطة المطار لقيت شابين يهوديين أحدهما عامل في المطعم، والثاني بائع جرائد ومجلات، وكلاهما من أهالي طرابلس.أمّا الأول فقد سمعني أكلم رفاقي بالعربية فسألني إذا كنت عربياً. قلت نعم. فمد رأسه من وراء حاجز المطعم وقال بالإمالة والغنة اليهودية المعروفة: أنا يهودي. فأردفت أني عراقي من بغداد. ثم مضى لبعض شأنه. ولكنه عاد إليّ وأمطرني أسئلة أخرى. فأجبته بلا ونعم، ثم لاحظ أني طلبت شراباً على حين طلب رفاقي طعاماً. فقال لي: أحسنت فيما طلبت من الشراب، لأن الطعام ليس جيداً. فقلت في نفسي هذه أول طلائع الدس .. ولكنه دس ماكر، ولست أدري أنصحني أم نصح صاحب المطعم، أم خدعنا نحن الإثنين، فقد يكون الشراب أسوأ من الطعام.

أربعون عاماً في الحياة العربية والدولية · الصفحة ٣٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أربعون عاماً في الحياة العربية والدوليةص ٣٦٩