بقامة منتصبة، يلتفت يمنة ويسرة، يحيي بيده جماهير الشعب، بكل تؤدة وأناقة، وابتسامته الحلوة تستدرج الجماهير إلى الهتاف وتوحي إليهم بالتصفيق!
... وقد وقع هذا الموكب في نفسي موقعاً بارداً فاتراً، ولم أكن أكره الحاج أمين كما كان والدي، ولم أكن آخذ عليه تزلفه للجماهير، فالزعيم في الحركات التحريرية الوطنية لابد له من إثارة حماسة الشعب وتوثيق صلته به- بمختلف الأسباب والأساليب.. ولكني عبت عليه أنه جعل موسم النبي موسى لمجده، لا لمجد الوطن، حتىأصبح موسم الحاج أمين، لا موسم صلاح الدين وكان من اليسير أن يكون لهما معا.
... ومع الأيام والسنين، ازدادت معرفتي وصلاتي بالحاج أمين الحسيني وخاصة بعد أن اضطلع بقيادة الحركة الوطنية مباشرة سنة 1936 وما بعدها، فعملت معه في الحقل الوطني، وتصادقنا إلى حين.
... وكنت أحدثه بعد النكبة وقبلها، عن سقطات الحركة الوطنية ومزالقها، وما يحمل من مسؤوليات النكبة، وكان موسم النبي موسى واحدا من هذه الأحاديث. ولقد كان الحاج أمين مؤهلاً للزعامة من غير شك، وكان وطنياً مخلصاً من غير شك، ولكن أمجاد "سماحته" كانت تفوق أمجاد الوطن، فسقط الوطن وسقطت معه الأمجاد.
... وكان في موسم النبي موسى هتاف رائع مجيد: سيف الدين الحاج أمين: فسقط الموسم، وسقط معه الهتاف.
... وقد أورث الحاج أمين في نفسي منذ ذلك الوقت خوفاً كبيراً من الزعامة ومسؤولياتها.