تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(ثالثاً)الساحة العلمية التطبيقية /

أكثر العلوم التطبيقية التجريبية ناشئة في الغرب ، رغم أنها وليدة الشرق ، وهذا ما جعل من سيادة المصطلح الغربي الأعجمي أمراً فارضا وجوده، وليس من سبيل إلى توجيه نقد شديد إلى التبعية المصطلحية في هذا المجال ، مع التسليم بأن التبعية شيء غير محبب ، ولا مشرف في الأصل ، وخاصة إذا كانت تبعية على الطريقة الشرقية.

(رابعاً)الساحة الفلسفية /

إن المصطلح الفلسفي العربي المعاصر قد أحدث قطيعة جلية عن المصطلح الفلسفي القديم (5).الذي لم يكن بدوره أصيلا أصالة تامة . حيث أسبغ عليه المأثور الإغريقي سيلا من المصطلحات ، أفقدتنا الثقة في أصالته ، فضلا عن الفحوى الفكري نفسه الذي لم يسلم من التشكيك والانتقاص القيمي ، بحق وبغير حق .

وتعويضاً أمام القطيعة عن المصطلح القديم ، توجه المصطلح الفلسفي المعاصر إلى الشمال ، أي إلى الغرب ، فاستورد ولم يزل سيلاً من المصطلحات الفلسفية غير العربية ، فاستعملت على صعيد واسع جدا في كلام وتنظيرات المعاصرين، سواء الفلاسفة ، والمتفلسفين، فضلاً عن أدعياء التفلسف.

إن المصطلح العربي يجيء على نوعين من حيث القبول والتلقي ، وذلك أمر يحكمه مدى دقة ولطف ومناسبة المدلول والمفهوم المنطوي وسط الهيكليّة الحروفية، فثمّ مفاهيم تخرج من مصطلحات أريد لها تبنيها ، بيد أنها غير مؤهلة لعملية التبني تلك ، فترى ذلك المفهوم يخرج من ذلك المصطلح خروج الفأر من جحره، قلقا خائفا مضطرباً . في حين نلقى مفاهيم تنساب فوق حروف مصطلحها فتسيل بروية واطمئنان ، حتى تنسكب في القلوب والعقول ، بعد أن تتلقاها الآذان أطيب لقاء قبل ذلك ؛ لأنها استوفت شروط القبول المصطلحي ، وهذه الشروط -عندي- هي:

1- ثبوت الأصالةاللغوية.2-توفر الدقةالمعنوية 3- تحقق السلاسة الصوتية الإيقاعية .

كل هذا لو اجتمع في مصطلح ما ، جاء مثالياً وبليغا ً.

في عصرنا هذا نلحظ أن ثمت مصطلحات شاعت وذاعت برغم كونها فاقدة لأهلية القبول اللغوي ، فهي مصطلحات دعية لقيطة انبنت على تحريف وتشويه لبعض الصيغ الصرفية . من تلكم المصطلحات : قولهم(إسلاموي- حداثوي- علموي - ذاتاني- ذاتوي) .ويتحمل محمد اركون، وغيره كثيرا من المسؤولية، في هذا كما قد يدخل في دائرة المسؤولية شيوخ المجاميع اللغوية العربية.

وفي مضمار المصطلحات اللقيطة استثمرت جملة من الألفاظ الأجنبية ، وأضيف إليها زوائد عربية كياء النسبة -مثلاً-. وهذا الاستراق من الآخر أمر يشي بمدى ضعف الثقة في اللغة ، وضعف العلم بها . ومن تلك الألفاظ قولهم (تيمة- تيمات-تابو- تابوهات- دينامية-استاتيكية- اسكاتالوجي- الإمبريقية) .

ولست أريد أن تتصورني جمودياً متعصبا ً للعربية القديمة ، لكني ابتغي أن تحترم هاته اللغة العظيمة ، وألا ينتهك حماها بغير حق ، وبانعدام المسوغ ، وألّا يستبدل بها غيرها في لحظات ضعف أو جهل من طرف بعض المثقفين ، والمبدعين من مفتقدي الحس اللغوي إلى درجة لم تقف عند خلق أزمة مصطلح إنما تجاوزت ذلك إلى اصطناع أزمة لغوية شاملة ، إن لم أكن مبالغا ، وأنا ممن يرى جواز الاستعانة بالمصطلح الأجنبي ، لكن في نطاق ضيق بحسب الحاجة الصوتية ، أو لأجل الدقة المعنوية. ومن ثم يسوغ عندي تبني استعمال بعض المصطلحات الأجنبية التي لو عربناها ، لوجدنا أنفسنا نتكلف تراكيب عربية ثقيلة تنفر من سياقاتها التركيبية في أي نص ، وهذاكاف للاستعانة ببعض المصطلحات الأجنبية . من ذلك مصطلح ( الميتافيزيقا= ما وراء الطبيعة، والأيديولوجيا=علم الأفكارأو العقائد -ديماغوجية=سياسة تملق عوام الناس).

والأولى من هذا كله ، العمل على استثمار الرصيد اللغوي، وقواعده ؛ لاستحداث مصطلحات حائزة على الشرعية اللغوية ، والخفة الإيقاعية ، والسلاسة الصوتية ، كل ذلك في آن واحد ، وقد استحدث في عصرنا مصطلحات من هذا النوع ، منها : (التشيّؤ - التموضع - التبئير -العولمة - المخيال-التسلّع -التتنميط ). إن أمامنا تقنيات لغوية ؛ فلا مسوّغ لاستعمال مصطلحات لا ضرورة لها عند وجود بدائل عربية مناسبة تغني عنها ، إنها تصير حين ذاك رطانة مستقبحة ، من ذلك-مثلاًَ- استعمال الكثيرين لـ(اثني ، بدلا من عرقي ، ودينامي أو ديناميكي بدلًا من حركي- راديكالي بدلاًمن جذري- يوتوبيا بدلا من الخيال ) .

إن التقنيات التي أشرت إليها قبل قليل تفسح أمامنا المجال للتخليق المصطلحي المبدع الدقيق الأصيل ، ومنها -أي التقنيات- : ما عرفه علماء الصرف باسم النحت ، وكذا التركيب المزجي ، والإسنادي ، ونحو ذلك مما يتحشّد في لغتنا من وسائل تخليقية تشرع أبواب الاستبداع المصطلحي بمعزل عن الاستعجام ، والرطانة ، والتحريف ، والغموض ، وغير هاته من معايب المصطلح العربي المعاصر .

عند هذه النقطة أود الازورار تجاه النص القرآني الطافح بالإشكالات المصطلحية، حيث سأعرض الآن لمثال يوضح واقع الإشكال المصطلحي الذي يغتني به النص المقدس.فهو أرقى النصوص اللغوية، بإطلاق غير مقيد ، وتعميم غير مخصص.

إن العلم لم يحسم المسألة المعقدة القائمة على إشكالية تحديد مصدر التعقل والتفكير والإدراك الإنساني . فالنصوص الدينية في الإسلام يرشح منها وينبط أن ما يسمى( القلب) هو مركزكل ذلك ، هذا ما يسنح لنا عند قراءة أمثال قوله تعالى : ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾سورة محمد24 . ﴿كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار﴾غافر35).﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ﴾ق37)﴿ويشهد الله على على ما في قلبه﴾(البقرة204). ﴿وختم على سمعه وقلبه ،وجعل على بصره غشاوة﴾الجاثية23). ﴿ومن يؤمن بالله يهدِ قلبه﴾(التغابن11 ﴿كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين﴾(الأعراف101). ﴿لهم قلوب لا يفقهون بها﴾(الأعراف179).﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها ﴾(الحج46).﴿ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾(الحج46). ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾(البقرة225).﴿والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليماً﴾(الأحزاب51).﴿ولكن قولوا أسلمنا ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم﴾(الحجرات14).﴿كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم ، تشابهت قلوبهم﴾(البقرة118)﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه﴾(الأنعام25).﴿وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ﴾(التوبة45).﴿يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم﴾(التوبة64). ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾(الصف5).

إننا بإنعام النظر فيما سلف سنلقى وظائف العقل وإعمال التفكير معزوة ، ومتعلقة بما اصطلحت آيات القرآن على تسميته مرة (القلب)ومرة (الفؤاد)، وهي تسمية خالفت المصطلح الذي استعمله علماء البيولوجيا ، والأحياء بعامة، في نعت جزء عضوي مادي يقبع في جسم الإنسان ، وتحديداً وسط صدره، يستقبل الدم ويرسله خلال عملية ضخ للدم عجيبة مبهرة. هذا هوالقلب في المصطلح الطبي ، لا يعدو كونه مضخة دموية ، رتيبة.

أربعة بحوث في المصطلح القرآني · الصفحة ١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أربعة بحوث في المصطلح القرآنيص ١٠