لكن الذي ينبغي تأكيده هو الحذر والحيطة والتحفظ من الأقوال التي عرفت واشتهرت بالإنصاف والاعتدال؛ لأنه ليس ثمة ثبات ولا منهجية واحدة لكل مستشرق، فتجده يثبت الوحي هنا، وينكر نبوة الرسول هناك، أو يخصه بالعرب خاصة، أو يعترف له بأنه عظيم من العظماء، كما فعل توماس كاريل، لكنه وصف القرآن بأنه كتاب ممل مضطرب مختلط مشوش جاف معقد، غباء لا يطاق (1).
لذا أرى ألاَّ يفرح مسلم باعتراف مستشرق بالوحي، ويعدّ ذلك كسباً للعلم والتاريخ؛ لأنه قد يكون أسلوباً من أساليب المكر والخديعة كما فعله (زويمر، ولامانس) اللذان وصفا الرسول صلى الله عليه وسلم بالقدرة الفائقة على الإقناع والتأثير في الآخرين، وبالعبقرية، لكنهما وصلا إلى تجريده من النبوة، ومن مزية كون القرآن وحياً من عند الله تعالى (2).
وهكذا فإنّ معظم من وصفه بالعبقرية والتفوق والقيادة والإصلاح، سعى إلى إنكار نزول الوحي عليه.
والحقيقة أني لم أجد مستشرقاً يستحق التقدير في كل مواقفه -على الأقل فيما وقفت عليه- في موضوع (مفهوم الوحي)، فقد تجد لأحدهم موقفاً جيداً من مسألة كالوحي، لكن يأتي بما يناقض ذلك في غيره من مسائل الدين، مما يجعلني أقرر أن كتابات جلِّ المنصفين منهم تحمل في طياتها النظريات الفاسدة، التي تمثل هجوماً في صورة مسالمة، وتعصباً في صورة إنصاف، كما هو عند كارليل، ولورا، وواط وغيرهم، وهذا الأمر يستدعي دراسة جادة تعتمد على
(1) () أحمد غراب، زاوية الإسلام للاستشراق ص 139.
(2) () انظر: نذير حمدان، الرسول في كتابات المستشرقين ص 65.