ثم دخلت سنة ست وسبعين وستمائة، فيها توعك جسد السلطان الملك الظاهر بيبرس، فرجع إلى دمشق، وثقل في المرض فأسقوه الحكماء دواء مسهل، فأفرط في الإسهال، وقويت عليه الحمى، وسلسل في المرض أيامًا، ثم مَاتَ في يوم الخميس ثامن عشرين المحرم سنة ست وسبعين وستمائة ومَاتَ وَلَهُ مِنَ العُمر نحو ستين سنة (١).
وكأن ملكًا جليلا خفيف الركاب، مشهورًا بالفروسية، والإقدام في الحرب، والثبات عند التقاء الخصوم، وكان كريمًا، سخيًا، حسن الوجه، طويل القامة، مليح اللحية، مهابًا في موكبه، ولكنه كان مُحبًا لجمع الأموال، كثير المصادرات للرعيّة لأجل التجاريد والأسفار.
ولما مَاتَ رثاه القاضي محيى الدين ابن عبد الظاهر (٢) كاتب السر الشريف، بهذه الأبياتِ اللطيفة:
الله أكبر إنها لمصيبة … منها الرواسي خيفة تَتَقَلقَلُ
لهَفى على الملك الذي كانت به … الدنيا تطيبُ فَكُلِّ قفرٍ مَنزل
الظاهر السلطان من كانت له … مِننَ عَلَى كُلِّ الورَى وَتَطولُ
لهَفى عَلى آرائه تلك التي … مثل السهام إلى المصالح ترسل
لهَفى عَلى تلك العزائم كيف قد … غفلت وكانت قبل ذا لَا تَعْفِلُ
ما للرماح تحولتهَا رَعَدَة … لكنها إذ ليسَ تَعَقِلَ تَعْقِلُ
سَهُمْ أَصَابَ وَمَا رُئى من قبله … سهم له في كل قلب مقتل
أنا إن بكيت فَإِنَّ عَدْرِي وَاصْحٌ … ولئن صبرت فإنني أتمثل
خلف السعيد لنا الشهيد فأدمع … منهلة في أوجه تتهلل (٣)
ولما مَاتَ الملك الظاهر خلف من الأولاد ثلاثة ذكور وهم: الملك السعيد محمد، والملك العادل سلامش، وسيدى خضر، ولكنه لم يتسلطن؛ وخلف من البنات سبعة.
(١) وفي بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٣٨: "وعاش من العمر نحو اثنتين وستين سنة"؛ في السلوك ١/ ١/ ٦٣٦: "وقد تجاوز الخمسين سنة" و"وفاته الخميس سابع عشرى المحرم".
(٢) هو عبد الله بن عبد الظاهر بن نشوان الجذامي السعدي محيى الدين قاضي أديب مؤرخ من أهل مصر، ت ٦٩٢ هـ، وله "الروضة البهية الزاهرة في خطط المعزية القاهرة" نقل عن المقريزي كثيرًا من خططه، و"سيرة الظاهر بيبرس" نظمًا و"الألطاف الخفية" وغير ذلك. (انظر: فوات الوفيات ٢/ ١٧٩ - ١٩١. الروضة البهية، مقدمة المحقق، ص ١٠ - ١٨).
(٣) بحر الكامل؛ الأبيات في كنز الدرر وجامع الغرر ٨/ ٢١٥. عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان ٢/ ١٨٣. تاريخ ابن الفرات ٧/ ٩٠ - ٩٢.