فعند ذلك ضج العسكر ولم يمكنُوهُ من ذلك، وتدخل عليه القضاة والأمراء، ثم إن المقر السيفي تمراز أمير سلاح مشى بين المماليك وبين السلطان في أمر الصلح، وعلى أن السلطان يعطي المماليك لكل واحد منهم خمسين دينارًا فتراضوا على ذلك ووقع الصلح.
ثم إن القضاة والخليفة المتوكل على الله عبد العزيز جدّدوا للسلطان مبايعة ثانية، وولوه الملك ثانيًا، وكان ذلك في يوم السبت رابع ربيع الآخر سنة أربع وتسعين وثمانمائة بالحوش السلطاني، وأنفض المجلس على ذلك.
ثم إن السلطان صبر المماليك حتى يجمع المال، فعند ذلك أمر السلطان بأن يأخذ من جميع أملاك القاهرة، والأوقاف الذي (١) على الجوامع والمدارس أجرة شهرين كاملة، فجبوا ذلك في مُدّة يسيرة ونفقة السلطان على المماليك، وانتهى الأمر على ذلك.
ثُم دخلت سنة خمس وتسعين وثمانمائة، فيها: جاءت الأخبار بأن ابن عثمان قد جمع عسكرًا عظيمًا، وهو قاصد لمحاربة عسكر مصر، وكان في هذه المدة التي وقعت فيها الفتنة منع التجار بأن لا يجلبوا إلى الديار المصرية مماليك، ولا صُوف، ولا صمور، ولا أشياء من الأصناف التي تجلب من نحو بلادهم.
فلما تحقق السلطان بأن عسكر ابن عثمان قد تحرك فعين له تجريدة ثقيلة، وعين المقر الأتابكي أزبك باش العساكر على عادته، والمقر السيفي تمراز أمير سلاح، وتاني بك الجمالي أمير مجلس، وقانصوه خمسمائة أمير أخور كبير، وأزبك اليوسفي رأس نوبة النوب، وتاني بك قرا حاجب الحجاب، وقانصوه الألفي، وقانصوه الشامي، ويشبك الجمالي، وغير ذلك من الأمراء الطبلخانات، والعشراوات والمماليك السلطانية على شرح ما ذكر أولا، فخرجوا من القاهرة في تجمل زائد كالحكم الأول، وهذه التجريدة الثالثة.
وفي مدة هذه التجاريد لم يُفقد من الأمراء المقدّمين سوى الأمير برسباي قرا أمير مجلس، والأمير تغري بردي ططر رأس نوبة النوب ماتوا هناك بتوعك في أجسادهم من غير قتل في المعركة، ولما توفي بُرسباي قرا استقر بعده الأمير تاني بك الجمالي أمير مجلس، واستقر الأمير أزبك اليوسفي رأس نوبة النوب عُوضًا عن تغري بردي ططر بحكم وفاته.
(١) كذا في الأصل، والصواب "التي".