الوطئ أوطارهم، أوجعوهم بعد ذلك ضربًا، هذا وصاحب المنزل قائم يُضرب في وسط داره.
ولقد تفننوا في العذاب فنونا، حتى لقد كان أحدهم يشد رأس الرجل بحبل قنب، ثم يلويه ليا عنيفًا حتى يغوص الحبل في جسده، ثم يؤخذ من تحت إبطيه، وتربط إبهام يديه من ورائه، ثم يُلقى على ظهره، ويُغم بتحرقة فيها رماد سخن، ويُعلق بإبهام رجليه في سقف البيت، وتوقد تحته النار، وربما ثقل فسقط في النار، ففعلوا عسكر تمرلنك في أهل دمشق من هذه النمط، وأمثاله ما تشيب عند سماعه النواصي، وتذهل منه العقول.
فأقاموا على ذلك تسعة عشر يومًا، وهُم على ما ذكرنا من القتل والنهب، والفسق، إلى أخرها يوم الثلاثاء ثامن عشرين رجب من السنة المذكورة، فهلك في هذه المدّة من الناس ما لا يُحصى عددهم من العذاب، والجوع والقهر، وقلت الأمن، وأخذ الأموال، وعدم الأقوات، كما قيل:
إن ترمك الأقدار في أزمة … أوجبها إجرامك السالفة
فادع إلى ربك في كشفها … ليس لها من دونه كاشفة (١)
فلما كان يوم الأربعاء أخر يوم من رجب دخل إلى مدينة دمشق من عسكر تمرلنك أقوام لا يُحصى عددهم، وهُم مشاة بأيديهم السيوف المصلتة، فانتهبوا ما بقي في البلد من قماش، وأثاث، وسبوا النساء، والشباب، وأسروا الرجال، وألقوا الأطفال الرضع من عُمره شهر إلى خمس سنين، وخرجوا بالنساء، والرجال من البلد، وهُم مُقرّنين في الأصفاد، والحبال يُساقون إلى حيث لا يعلمون، فأسر في هذه الحركة من الأعيان جماعة كثيرة من العلماء، والفقراء، والنواب، والأمراء، والعسكر السلطاني ما لا يُحصى عددهم، منهم: قاضي القضاة الشافعي صدر الدين المناوي، وغيره من القضاة، والعلماء، والأعيان، ومن النواب، وهم: دمرداش نائب حلب، والأمير شيخ المحمودي نائب طرابلس، والأمير دقماق المحمدي نائب حماه، وأسر المقر السيفي سودون قريب المقام الشريف نائب الشام، وأسر جماعة كثيرة من أعيان دمشق، ومن قضاتها ما يحضرني أسمائهم الآن.
(١) بحر السريع. البيتان ليوسف بن عبد المجيد بن علي بن داود الهذلي (أعيان العصر ٥/ ٦٨٣).