تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فصار الملك الأشرف شعبان في بر إنبابة، ويَلْبُغَا في الجزيرة الوسطى، وهما يتراموا بالنشاب، ومكاحل النفط، فعند ذلك حضر إلى عند السلطان الملك الأشرف شعبان شخص من النواتية، يُسمى محمد بن لبطة، كان ريسًا على المراكب في أيام الملك الناصر محمد بن قلاون، فقالَ للسلطان: "أنا أعدى بك"، فأخذ نحو ثلاثين غُرابًا من الذي كان عمرهم يَلْبُغَا، كما تقدم، فكسر بروقهم وعمرهم بالمقاديق، وعدى بالسلطان والعسكر أولا بأول، وَهُمْ رَاكِبُون الخيول، وذلك في يوم السبت بعد العصر، فطلع السلطان من جزيرة الفيل إلى أن طلع إلى القلعة.

فَلَمَا تسامع الأمراء والعسكر الذين كانوا عندَ يَلْبُغَا بأن السلطان الملك الأشرف شعبان طلع إلى القلعة، فصاروا يتسحبون من عند الأتابكي يَلْبُغَا، ويطلعون إلى القلعة فلم يبق مع يَلْبُغَا الا القليل من الأمراء والعسكر.

فرجع يَلْبُغَا من الجزيرة الوسطى، وطلع إلى الرملة، ووقف بسوق الخيل ساعة، فلم يطلع إليه أحد من العسكر فلما رأى أمره في إدبار، نزل عن فرسه وصلى ركعتين قدام باب الميدان، ثم حلَّ سيفه وأعطاه للأمير طيبغا حاجب الحجاب، وركب فرسه وقصد التوجه الى بيته الذي في الكبش، فرجموه العوام وسبوه لأنهم كانوا يبغضونه بغضا شديدا ثم وصل إلى بيته بعد جهد كبير.

فلما أقام في بيته أرسل السلطان إليه بعض الأمراء ليحضروه إلى القلعة، فركبَ يَلْبُغَا من بيته وطلع إلى القلعة، ومعه طيبغا العلائي حاجب الحجاب، وكان طلوعه إلى القلعة يوم السبت وقت المغرب، فلما طلع إلى القلعة فسجن بها هو وطيبغا العلائي فأقام في السجن إلى بعد العشاء، فهجموا مماليكه عليه، وأخرجُوهُ مِنَ السحن، وأخذوه، وتوجهوا به إلى باب القلعة، فلما وصلوا به إلى سلم المدرج أراد أن يركب فمنعوه مماليكه من الركوب، ومشوا به إلى رأس الصوة، فتقدم إليه مملوك من مماليكه، يُسمى قراتمُر، فضربه بالسيف، فأرمى رأسه، فأخذوا رأسه بقية المماليك، ووضعوها في مشعل، وتوجهوا بها إلى بيته الذي في الكبش.

وكان يَلْبُغَا له سلعة خلف أذنه، فلما رأوا رأسه لم يشك أحدًا في قتله، وصار جسده مرمي في الصوّة، فلما أصبح الصباح جاء الأمير طشتمر الدوادار فأخذ جثته، وحصل رأسهُ وَخيَّطهَا عَلى جُثتهُ، وَدَفنه في تربة خارج الباب المحروق، وفي هذه الواقعة يقول بعض شعراء العصر في المعنى:

عقود الجمان في وقائع الأزمان · الصفحة ٢٢٢

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عقود الجمان في وقائع الأزمانص ٢٢٢