تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قيل: أنه عمد إلى خشبةٍ وَعَملَ فيها حَبلًا وَجَعلهُ في عُنقهِ، وَخَنقَ بهِ نفسه حتى مَاتَ وَهوَ في السجن، فلما مَاتَ أحضر السلطان ولده عبد الله وَعَاقِبَهُ وَقَرَّرَهُ على الأموال والذخائر، فأظهر مخباه في بيته فيها مايتي ألف دينار، وَهَذَا خَارِجًا عمَّا أَخذَهُ السلطان منه أولا منَ الأمْوَالِ وَالتُحف وغير ذلك ما لا يُحصى، كما قيل في المعنى:

احْذَرْ مُدَاخِلةَ (١) المُلُوكِ ولا تَكُنْ … مَا عِشْتَ بِالتَّقْرِيبِ مِنْهُم وَاثِقَا

فَالْغَيْثُ غَوثَكَ (٢) إِنْ ضَمِنْتَ وَرُبَّما … تَرْمِي بِوَارِقَهُ عَلَيْكَ صَوَاعِقَا (٣)

ومما يُحكى (٤) عن القاضي كريم الدين هذا أنه شربَ يَومًا دَوَاءً، فجمع كلّ ورد بالقاهرة، فحُملَ إلى دَارِهِ، فَفَرَش منهُ في دَارِهِ مَا قدر عليه، حتى على كراسي بيت الخلاء، وَدَاسُوا الناسُ منهُ مَا دَاسُوا، وأخذُوا مِنهُ مَا أَخَذُوا، ثم إن الغلمان أخذُوا مَا فضل منهُم، فَأَبَاعُوهُ بثلاثة ألاف درهم (٥).

وَكَانَ كريمًا سَخيًا، ومن أثاره أنهُ عمَّرَ جَامعًا بالزريبة (٦)، ووقف عليه وقفًا، وَعمَّرَ بالقرافة خَانقاه (٧)، وَوَقف عليها وقفًا، وَلهُ أثار كثيرة غير ذلك، وفيه يقولُ الشيخ جمال الدين ابن نباته:

يا كريمًا قد وافق (٨) الاسم بالفعـ … ـل وأنسى في الفضل كل قديم

لا تخف نبوة الحوادث فالله … كريم يحب كل كريم (٩)

ومات القاضي كريم الدين هَذَا وَلهُ منَ العُمر نحو ستين سنة.

(١) في شرح سنن ابن ماجه للهرري ٥/ ١٠: "مباسطة".

(٢) في شرح سنن ابن ماجه للهرري ٥/ ١٠: "غَيْتُكَ".

(٣) بحر الكامل؛ البيتان لأبي الحسن طلحة. (انظر: روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار ص ٦١).

(٤) في بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٥٤: أنه نقل عن "الصارمي إبراهيم بن دقماق في تاريخه".

(٥) نقل ابن إياس الخبر في بدائع الزهور ٤٥٤/ ١/ ١: عن ابن دقماق في تاريخه.

(٦) "بالجزيرة الوسطى" في بدائع الزهور ١/ ٤٥٤؛ والزريبة: هى زربية قوصون فكانت على النيل تجاه الميدان الظاهري، وبنى الناس الدور الكبيرة هناك وعظمت العمارة بأرض هذه الزريبة، مكانها اليوم الأرض التى عليها دار الآثار المصرية وملحقاتها بشارع مريت باشا بالقاهرة. (الخطط المقريزية ٢٣٥/ ٣؛ النجوم الزاهرة ٩/ ١٨٤ هامش ٢).

(٧) خانقاه أو خانكاه وجمعها الخوانك، وهي كلمة فارسية معناها: بيت أو دار الصوفية، ثم كثر استعمالها على الألسنة فقيل: "خانقاه" وهي المكان الذى ينقطع فيه المتصوف للعبادة، وتجمع بين تخطيط المسجد والمدرسة، مضاف إليها الغُرف التي يختلي بها، أو ينقطع بها المتصوف للعبادة، والتي عُرفت بالخلاوي (الخطط المقريزية، ٤/ ٢٨٠).

(٨) "طابق" في ديوان ابن نباتة المصري ص ٤٧٨.

(٩) بحر الخفيف؛ البيتان لم يرد ذكرهما في بدائع الزهور. انظر: ديوان ابن نباتة المصري ص ٤٧٨.

عقود الجمان في وقائع الأزمان · الصفحة ١٥٠

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عقود الجمان في وقائع الأزمانص ١٥٠